Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

الشرارة - Page 6

  • العدد السابع من كراسات الشرارة: "المادية والمذهب النقدي التجريبي"ـ

    Pin it!

    تقديم

    يظل كتاب "المادية والمذهب النقدي التجريبي" للينين أحد أبرز الكتب الماركسية، التي ساهمت في تسليح البلاشفة نظريا وفلسفيا خلال مرحلة الإعداد لبناء حزبهم المستقل، الذي تحقق سنة 1912، كما ساهم الكتاب في تكوين جيل كامل من الثوريين الماركسيين- اللينينيين عبر العالم.

    لقد قام لينين في هذا الكتاب بتطوير الفلسفة الماركسية على ضوء آخر الاكتشافات العلمية في مجال علوم الطبيعة و خاصة علوم الفيزياء الحديثة آنذاك، و في سياق مناقشة أخر مستجدات العلوم و علاقة ذلك بمفهوم المادة، و علاقة هذه الأخيرة بالفكر ونظرية المعرفة، و في سياق الرد على القراءات الفلسفية المثالية، التي حاولت استغلال الاكتشافات العلمية الحديثة للهجوم على الفلسفة المادية بشكل عام، و الفلسفة المادية الماركسية خاصة، و في مجال نظرية المعرفة على وجه التدقيق، حيث انتصب التجريبيون النقديون مطالبين بمراجعة الماركسية في مجال نظرية المعرفة، و تركز هجومهم على مفهوم المادة، التي أصبحت مرتبطة في وجودها بالإحساس، بحيث لا تتوفر الأشياء خارج وعينا عن أية استقلالية موضوعية لتصبح مرتبطة بوعينا و أحاسيسنا، مما كان يهدد الفلسفة المادية الماركسية في جوهرها، خاصة و أن الفلسفة التجريبية النقدية أو  الماخية، كان لديها أنصارها و أتباعها داخل الحزب البلشفي في ظروف الحقبة الستوليبينية، زمن الردة، التي أصابت الحركة الثورية و الحركة الاشتراكية الديموقراطية الروسية بعد فشل ثورة 1905.

    لقد تصدى لينين للتحريفية الفلسفية اعتمادا على المادية الجدلية بما هي وحدة متجانسة ومتداخلة وجامعة بين الديالكتيك والمنطق والنظرية المادية الجدلية للمعرفة، حيث لا انفصال بين المكونات الثلاث.

    لقد وضع لينين التعريف الدقيق للمفهوم الفلسفي عن المادة، بحيث، من جهة، أكد على استقلالية الوجود الموضوعي عن إحساسنا و وعينا، و كذلك باعتباره مصدر أحاسيسنا و وعينا، و من جهة أخرى، فصل بين المفهوم الفلسفي للمادة، الذي يرتقي إلى مستوى أعلى من التجريد لمقولة المادة، و المفهوم العلمي للمادة، الذي يدرس مكونات المادة و عناصرها. وقد شكل هذا التدقيق قفزة نوعية، ساهمت في دحض الأطروحات المثالية عن المادة، وجعلت الفلسفة المادية جديرة بأن تكون فلسفة الثورة، لأنها جمعت بين القوانين المادية الجدلية للطبيعة والمعرفة والفكر.

    كثيرا ما يسقط المناضلون الماركسيون- اللينينيون في نزعات اختزالية للماركسية- اللينينية و تحويلها إما إلى مجرد تقنيات لإنجاز الثورة (و  هذه ظاهرة انتشرت أساسا في دول "العالم الثالث") أو إلى نظرية اقتصادية توفر أجوبة عن إشكالية التخلف (و هذا يؤدي إلى السقوط في الاقتصادوية، بحيث تتحول الاشتراكية إلى مجرد مكننة للزراعة و صناعة ثقيلة باستيراد معامل جاهزة مما يسقط في تبعية تكنولوجية و اقتصادية و عجز عن الخروج من التبعية للسوق الامبريالية) أو إلى نظرية للدولة (كما حصل بالنسبة للماركسية "الغربية"، التي اهتمت بنظرية الدولة و تناست أن تلك النظرية مرتبطة بالثورة، أي ماركس أو لينين الدولة  بدل ماركس أو لينين الدولة و الثورة). و  قد أثبتت التجربة التاريخية للحركة الشيوعية العالمية و للحركة الماركسية – اللينينية في شمال إفريقيا و في المغرب أن غياب التحصين الفلسفي للمناضلين و المناضلات كان أحد أسباب الانهيار و اللخبطة و الغموض، الذي كان يسود كلما أجهزت مطرقة القمع على المنظمات الثورية الماركسية – اللينينية، و اليوم لا يمكن السكوت عن هذا الغياب و الضعف خاصة عندما نجد أن مفهوم العالم لدى العديد من المناضلين تجتمع فيه كل منوعات الفكر التقليدي والليبرالي و الشعبوي، حيث يؤثر ذلك على المبادئ و المواقف والسلوك و الأخلاق الثورية.

    وتعلمنا التجربة الثورية للحركة الشيوعية العالمية أن مجال تكوين المناضلين والمناضلات يمس أساسا جوهر مفهومهم للعالم، حيث عبر سيرورة الممارسة الثورية المستندة إلى النظرية الثورية و البلترة يتم الانتقال عند المناضل و المناضلة، من مفهوم قديم للعالم إلى مفهوم جديد هو المفهوم البروليتاري للعالم.

    إن الاطلاع البسيط على التطور الهائل الذي عرفته علوم الطبيعة خلال القرن العشرين و القرن الواحد و العشرين، يثبت راهنية و صحة الأطروحات الفلسفية اللينينية في كتاب "المادية والمذهب النقدي التجريبي"، ذلك الكتاب الذي زودنا بالنظرية الفلسفية العلمية و بالمنهج المادي الجدلي العلمي لمناقشة كل الأطروحات المثالية، التي تحاول الركوب على الاكتشافات العلمية الحديثة من أجل ضرب الفلسفة المادية عموما، و المادية الماركسية خصوصا، و ترويج أفكار دينية و مثالية يقوم جوهرها على فكرة "الخلق من العدم"، "المادة من لا شيء"، وكلما حصل اكتشاف علمي جديد كلما ملأوا الدنيا ضجيجا حول انتصار المثالية (نظرية الخلق الإلاهي للكون) و اندحار المادي. إن وراء هذه الادعاءات يختبئ المشروع الدائم للمثالية من أجل التخلي عن العقلانية وانتصار الظلامية بكل منوعاتها.

    ديالكتيك العلوم و أوهام العلماء:

    يثبت تاريخ العلوم أن كل مرحلة من تاريخها لها أوهامها. فخلال الحقبة اليونانية القديمة، وحتى ما بعدها إلى حد ما، اعتقد العلماء أن هندسة "أوقليدس" تتضمن كل قوانين الكون، وتبين بعد ذاك أن الأمر ليس صحيحا، ولاحقا، عندما ظهرت نظريات "نيوتن"، بعد تحصيله وتركيبه للمعارف العلمية السابقة عليه (كبلير، جاليلي...)، قيل إن "نيوتن" قال الكلمة الفصل فيما يخص قوانين الطبيعة، فتباكى "لابلاص" حول أنه لا يوجد إلا كون واحد، وأن "نيوتن" كان له حظ اكتشاف قوانينه.

    هكذا على سبيل المثال، ظلت نظرية "نيوتن" حول الضوء (théorie corpusculaire)، ولعدة أسباب تاريخية ليس هذا النص مجالا للخوض فيها (نذكر منها فقط أن "نيوتن" كان قد أصدر سنة 1686 كتابا حول الميكانيكا و الجاذبية، وهو الكتاب الذي به فرض نفسه وحشد حوله العديد من العلماء الفيزيائيين حينها، باستثناء "هوك")، فارضة نفسها وسارية المفعول ومسلم بها لمدة تقارب القرنين من الزمن، رغم معاصرتها حينها وصراعها مع نظرية الفيزيائي الهولندي "كريستيان هايغينس" (Christian Huygens)، الذي بلور حينها هو الآخر نظرية "شبه متكاملة " حول الضوء، حيث تموقعت نظريته ضمن إطار النظرية الميكانيكية للضوء القائمة على أسس المبادئ الديكارتية، تبحث عن قوانين الانكسار والانعكاس وعن مصدر وسبب تمدد الضوء وفق خط مستقيم، وكيف للأشعة البصرية (المرئية) القادمة من أماكن متعددة لا نهائية أن تتقاطع وتلتقي من دون أن يمنع بعضها البعض الآخر (للإشارة، لم يهتم "هايغنيس" بظاهرة ألوان الضوء التي كانت تشكل جزءا مهما في نظرية "نيوتن")، معتمدا في ذلك على بعض نظريات معاصريه ("هوك" « Hooke »مثلا الذي كان المدافع الأول عن النظرية "الموجية" للضوء بإنجلترا)، والتي فيها قال بأن الضوء مكون أو هو عبارة عن موجات (théorie ondulatoire de la lumière)، معتمدا في ذلك على النموذج الموجي (استعمال الموجات الكروية، ومستوحيا نظريته من انتشار الصوت) لتتأكد أطروحة "هايغنيس" مع النظرية "الموجية" ل"أوغستين فرسنيل (Augustin Fresnel) بعد  التجارب التي فيها خلص هذا الأخير إلى نفس النتائج التي إليها خلص عشر سنوات قبل ذلك "توماس يونغ" (Thomas Young)، رغم عدم سابق معرفته بأعماله، والتي عن طريقها بلور "فريسنيل" ما عجز عنه "يونغ"، ونقصد هنا "نموذج رياضيات للموجات الضوئية" التي سيؤكدها تجريبيا "ليون فوكو" (Léon Foucault)، والذي معه سيتم اعتماد النظرية "الموجية" بالإجماع (ما عدا "بيوت" Biot الذي بقي يدافع عن النظرية "الجسيمية" ـــ الجسيمات أو الجزيئات ـــ لنيوتن)

    لقد اعتقد نيوتن أن الضوء الذي يتحرك في الفراغ بإمكانه أن يكون أسرع في الماء، والأمر يتعلق هنا بانكسار الضوء، حيث يتغير اتجاهه عندما ينتقل من وسط شفاف إلى آخر كثيف، من الهواء إلى الماء مثلا. إن سرعة الضوء بالنسبة لنيوتن ترتفع عند دخوله وسط كثيف، حيث يقول إن انكسار الضوء عند دخول الماء يعود إلى ارتفاع سرعة جزيئاته المكونة له، والسبب في ذلك عند نيوتن هو قوة جاذبية هذا الوسط التي تؤثر على جزيئات الضوء وتخضعها لقوتها وتدفعها إلى تغيير اتجاهها، ضدا على ما روج له ديكارت من أن مسألة انعكاس الضوء ما هي إلا عملية ارتداد للضوء على سطح المادة كارتداد الكريات على سطح أملس. فمسألة انكسار الضوء وانعكاسه أو انتشاره، هي بالنسبة ل "نيوتن" نتيجة القوة التي تمارسها المادة / الجسم على جزيئات الضوء حين يخترق هذا الأخير وسط تلك المادة أو الجسم، وتكون حركة الضوء في تسارع حين يكون هذا الوسط كثيفا. لقد تم قبول فكرة فعل قوة جاذبية الوسط الكثيف على جزيئات الضوء من دون أن يقدم نيوتن برهانه على ذلك، إلا أنها مكنت حينها من تفسير مسألة الألوان التي تظهر لحظة انكسار الضوء، حيث أثبت نيوتن تجريبيا بصدد مسألة الألوان هذه، أنها جوهرية وعضوية وداخلية للضوء (عكس ما اعتقده ديكارت بهذا الخصوص، وفي نفس الوقت كانت هذه المسألة فكرة مركزية في النقد الذي قدمه "نيوتن" لنظرية "هايغنيس")، وليست فقط نتيجة تفاعل الضوء مع المادة أو الجسم،  حيث افترض نيوتن بهذا الصدد أن الجزيئات التي تكون الضوء هي من نوع مختلف وتتحرك بنفس السرعة ولها كتل مختلفة، لهذا فهي حين اختراقها لجسم / مادة ما، تنكسر أو تنعكس بشكل مختلف وفق القوة الكاسرة لذاك الجسم  (القانون الثاني لنيوتن، أو ما يسمى بالعلاقة الأساسية للديناميك: F=m.a)، والتي على إثرها ينتج انكسارا، أو قد ينتج انعكاسا للضوء في حالة إن كانت قوة هذا الانكسار قوية جدا بما فيه الكفاية لحدوث الانعكاس... . إن فكرة ارتفاع سرعة الضوء عند دخوله الماء قال بها كذلك كل من "ديكارت" و"هوك"، رغم أن هذا الأخير كان من المدافعين عن النظرية "الموجية"، في حين كان "هايغنيس" قد تنبأ بالعكس، بحيث يعود انكسار الضوء عند دخوله الماء، إلى تناقص سرعة الموجات، مما يعني أن سرعة الضوء في الماء (وسط كثيف) هي أبطأ عنها في الهواء (لقد كانت النقطة الحاسمة في نظرية "هايغنيس" هي اعتباره سرعة الضوء حتى وإن كانت كبيرة، هي نهائية ومحددة). هذا وقد تأكدت تجريبيا بعد ذلك صحة تناقص سرعة الضوء في وسط كثيف مع التجربة التي قام بها "ليون فوكو" (سنة 1850 حيث أتبث ان سرعة الضوء في الماء =  220 000 km/s) بطلب من "أراكو" الذي أعلن أن إحدى النظريتين يجب ان تستسلم وتخضع لحكم التجربة، وهو المشرف قبل ذلك على أطروحة "فرسنيل". وجاء بعد كل هؤلاء، جيمس كليرك ماكسويل ( James Clerk Maxwell ) منتصف القرن 19، معتمدا على تجارب "ميخائيل فرداي" (Michael Faraday) الذي سبق له أن اكتشف "الحث الكهرومغناطيسي" و قام بأبحاث حول خصائص المغناطيس الذي يتوفر على قطبين يتضمنان "قوى غير مرئية" تتبادل الجذب فيما بينها، والذي بدوره اعتمد على تجارب هانس أورستد (Hans Oersted)، وقد يكون كذلك قد تأثر بتصورات "أولير ليونهارد"( Léonhard Euler) حول الظواهر الكهربائية والمغناطيسية.

    قام "ما كسويل" بإعطاء هذه التجارب والاكتشافات شكلها العام بتحويلها إلى صيغ ومعادلات تجمع بطريقة متماسكة الكهرباء والمغناطيسية، وعن طريق هذه المعادلات التي تشكل اليوم حجر زاوية النظرية الكهرومغناطيسية، بلور "ماكسويل" العلاقة بين المجال الكهربائي والمجال المغناطيسي. معادلات "ماكسويل" هذه، تنبأت بوجود الموجات، وهي في نظريته متألفة من مزيج من المجال الكهربائي والمجال المغناطيسي العرضيين (الموجات الكهرومغناطيسية)، وأن سرعتها يمكن حسابها في نظرية "ماكسويل"، حيث قيمتها قريبة بشكل كبير جدا من القيمة التجريبية لسرعة الضوء. انتهى "ماكسويل" إلى خلاصة أن الضوء يجب أن يكون عبارة عن موجة كهرومغناطيسية تنتمي لما يسمى ب "الطيف الكهرومغناطيسي"، وأنه، أي الضوء، ما هو إلا حالة خاصة للذبذبات الكهرومغناطيسية وذو طبيعة ذبذبية، كما أن انكساره مثلا، ما هو إلا مظهر لتصرف الموجة الضوئية (اعتبر غالبية الفزيائيين في تلك الفترة "ماكسويل" أنه مجنون)، وساهمت خلاصاته بعد ذلك على تحقيق اكتشافات ذات صلة بالحقول المغناطيسية.

    وبعد ما يفوق 20 سنة عن نظرية "ما كسويل"، وحوالي ثماني سنوات بعد وفاة هذا الأخير، قام "هيرتز" (Heinrich Hertz) بالتحقق التجريبي من نظرية الموجات الكهرومغناطيسية التي صاغها "ماكسويل" نظريا، عن طريق خلقه لموجات كهرومغناطيسية وتتبع وإثبات انعكاسها وانكسارها وقياس أبعادها وسرعة انتشارها (وهو مكتشف ما يسمى بالتأثير الكهروضوئي). وبهذا التحقق التجريبي من نظرية "ماكسويل"، تعرضت مرة أخرى نظرية نيوتن حول الضوء باعتباره جزئيات (ويقال كذلك جسيمات) على يد النظرية الكهرومغناطيسية لماكسويل، وسقط بها وهم الاعتقاد بنظرية قادرة على تفسير كل شيء، وفي نفس الوقت نشأ وهم جديد حول نظرية "ماكسويل"، حيث اعتقد حينها أنها هي الأخرى استطاعت تفسير كل شيء. فماعدا بعض التفاصيل الصغيرة التي لم تمنح لها أهمية كافية، وتم التغاضي عنها حينها، فإنها كانت كذلك (والقصد هنا بتلك التفاصيل الصغيرة حينها، هو ما أثارته إحدى تجارب "هرتز" التي أبرزت ظاهرة جديدة، حيث حين عرض لوحة معدنية مضاءة بواسطة أشعة فوق بنفسجية انبعث الكهرباء، بينما بواسطة أشعة حمراء لا يحدث شيء رغم الرفع من شدة الضوء، وهذا الأثر "الكهروضوئي" استحال حينها فهمه بناء على نظرية أن الضوء هو مجرد موجة حاملة للطاقة، بالإضافة إلى دراسة إشعاع جسم أسود الذي استخدم كنموذج لدراسة الأجسام الساخنة، حيث طرحت مشكلة الموجات القصيرة والتي أظهرت التجارب تعارضها مع النظرية "الموجية"). لكن، وكما هو الحال في كل مرة ومرحلة، ففي تلك التفاصيل الصغيرة يختبئ الأرنب كما يقول الفرنسيون، فقد كان كافيا لتقلب هذه التفاصيل الصغيرة البناء النظري لماكسويل، وتساهم في نشوء ثورة علمية حقيقية.

    استمر الصراع إذن بين النظريتين وإن بشكل باهت جدا في الغالب، في ظل الانتصار الذي حققته نظرية "الموجات"(من "هايغنيس" وصولا إلى عملية التوليف النظري التي بلورها "ماكسويل" باعتبار الضوء هو حصيلة موجة كهربائية وأخرى مغناطيسية (موجة كهرومغناطيسية)، وتعمق معه التساؤل حول طبيعة الضوء: هل يتعلق الأمر فعلا بموجات أم بجزيئات؟

    نحن الآن في بداية القرن 20 حيث كان الاتجاه العام يعتقد على أن الاكتشافات الفيزيائية بهذا الصدد قد وصلت نهايتها، وأن المسألة كلها أصبحت تتعلق فقط بالمزيد من التدقيق في القياسات لا غير وإيجاد تفسير لبعض الحالات والتجارب الخاصة جدا، ولم يعد هناك من فيزيائي، حينذاك، يشكك في الطبيعة "الموجية" والغير المتقطعة للضوء، وبالتالي لكل الإشعاعات، ليقوم العالم الفيزيائي بلانك (Max Planck) سنة 1900، الذي أعاد فحص جميع مبادئ الميكانيكا الإحصائية، وتوصل إلى أن الأفكار الكلاسيكية غير قادرة على حل المشاكل المطروحة، واستطاع بشكل دقيق طرح فرضية الانقطاع الطاقي حيث افترض أن انتقال الطاقة بين الجسم الساخن والإشعاع الحراري الذي يبعثه يتم بطريقة متقطعة، وأقحم في هذا الإطار مفهوم "الكوانتا" (غير قابلة للتجزيء بالنسبة ل "بلانك"، وهي ما ستحمل اسم "الفوتونات" لاحقا)، معارضا بذلك فكرة استمرارية عمليات انبعاث الطاقة المشعة وإثبات خطأ النظرية "الموجية" الكلاسيكية بهذا الصدد، وأن طاقة الإشعاع الذي يتم انبعاثه أو امتصاصه يكون في شكل جزيئات (جسيمات) طاقية ذات قيمة محددة (هي ثابتة "بلانك" معامل(x)  تردد الإشعاع المنبعث، حيث هنا تم وضع ما سمي بثابتة "بلانك")، غير أن الوضع كان معقدا من حيث الاختبار والتحقق التجريبي، خصوصا أن "بلانك" استعمل نتائج تجريبية سابقة وأنه توصل إلى نتائجه عن طريق عمليات وحسابات رياضيات. هذا في الوقت الذي فيه وجد الفيزيائيون أن خلاصة بلانك تلك هي ثورية للغاية، وانطرح السؤال حينها، إن كانت الطاقة متقطعة، ألا يجب أن يكون الإشعاع نفسه كذلك؟ وبعبارة أخرى، هل هناك جزيئات ضوء؟ وهل من الضروري العودة قرنين من الزمن إلى الوراء وتجاهل النظرية "الموجية" التي تبلورت من "هايغنيس"... إلى "ماكسويل".

    من جهة أخرى، ولإعطاء صورة عن الضربات التي تعرضت لها النظرية "الموجية" بعد انتصارها، وهي الضربات التي لم تنحصر فقط في وجود انقطاع في الإشعاع المنبعث ضمن "نظرية الجسم الأسود"، بالإضافة إلى ما سمي ب "كارثة الأشعة فوق البنفسجية"، فقد انتبه العلماء قبل ذلك، إلى أن نظرية ماكسويل التي مكنت حينها من تفسير كل الظواهر الكهربائية، المغناطيسية والضوئية المعروفة آنذاك، أنها لا تتماشى ولا تتوافق مع مبدأ التحويلات الغاليلي (نسبة إلى غاليلي). فماكسويل، ونقصد هنا معادلاته، تنبأت بأن سرعة الموجات الكهرومغناطيسية لها سرعة الضوء، لكن انطرح السؤال حينها، نسبة إلى أي إطار مرجعي؟ أم أنها كذلك كيفما كان هذا الإطار المرجعي (référence، وقد سمي أحيانا ب "المَعلم")؟ فمعادلات ماكسويل لا تخضع لنسبية غاليلي. ولإنقاذ وحفظ ماء وجه هذه النظرية، تم افتراض أن معادلات ماكسويل التي تنبأت بأن سرعة الموجات الكهرومغناطيسية لها سرعة الضوء، هي صالحة فقط في إطار مرجعي خاص، وهو حيث يكون "الأثير" في حالة سكون، أما في إطار مرجعي أخر، فالحركة نسبة إلى "الأثير" يمكن اكتشافها عن طريق تجربة كهرومغناطيسية داخلية للإطار المرجعي (للإشارة ومن دون الابتعاد كثيرا عن خط الأفكار الواردة هنا، فمسألة "الأثير"، وهو الوسط الذي يمكن من انتشار الموجات الكهرومغناطيسية، تم الجدال حول طبيعته وخاصياته حينها، وخلص إلى أنه عليه أن يتصرف كجسم صلب وفي نفس الوقت أن يخترق كل الأجسام مع عدم منحه أية مقاومة لحركات هذه الأجسام، وإلا فإنه عليه أن يكبح مثلا الكواكب في حركتها...). إن مسألة عدم توافق معادلات ماكسويل مع نسبية غاليلي، و"الحل" النظري الذي قدم لها والذي قبل به العديد من الفيزيائيين، كانت هي الفكرة المركزية التي أزعجت كثيرا إينشتاين الذي أخذها بجدية كبيرة، حيث طرح المسألة على النحو التالي: ماذا سيحدث لو تحركت بسرعة الضوء حاملا معي مرآة؟ إن شاهدت نفسي، وهذا يعني أن الضوء الذي ينطلق من وجهي هو أسرع من سرعة الضوء، وهو ما يعارض معادلات ماكسويل، وإن لم أشاهد نفسي، إذن فأنا أعلم أنني اتحرك من دون القدرة على النظر إلى خارجي، وهو ما يعارض مبدأ نسبية غاليلي!

    في الواقع، لقد خيضت تجارب متعددة حول سرعة الضوء في إطار مرجعي ما نسبة إلى سرعة الضوء في "الأثير"، نذكر بالأساس التجارب المعروفة في تاريخ العلوم الفيزيائية لكل من "ألبيرت ميكلسون" (Albert Michelson) و "إدوارد مورلي" (Eduard Morley)، وهي التجارب التي أفضت إلى نتائج سلبية، والتي على أساسها خلص إينشتاين إلى بلورة مبدأين (أو فرضيتين): الأول: تعميم مبدأ نسبية غاليلي (الحركة المنتظمة هي حقيقة نسبية)، و الثاني: سرعة الضوء هي نفسها، ثابتة في كل النظم المرجعية القصورية (نذكر بأنه تم اعتبار أن معادلات ماكسويل هي غير صالحة في جميع النظم المرجعية القصورية، أي الإطار المرجعي الذي يسود فيه القصور الذاتي، مختبر ساكن مثلا، أو له حركة منتظمة غير متسارعة).

    خلافا لماكس بلانك الذي ركز على التبادل الطاقي بين الإشعاع والمادة، أعطى إنشتاين بنية هيكلية ("جزيئية") للضوء نفسه، وقام بتطبيقها على "التأثير الكهروضوئي" الذي اكتشفه "هرتز"، ونشر بهذا الصدد مقالته الشهيرة التي بين فيها أن الضوء يتصرف وكأنه مكون من جزيئات طاقية مستقلة، "الكوانتا" أو "الفوتونات"، إلا أن طاقة هذه "الكوانتا" (حزم طاقية ضوئية غير قابلة للتجزيئ) يتم التعبير عنها وفقا لتردد الموجة المعنية (بعد هذا، خاض  "ميليكان" (Millikan) بعض التجارب حول التأثير الكهروضوئي، وتوصل إلى اتفاق تام مع توقعات أيشتاين)

    بعد كل هذه التجارب والتوقعات والنظريات التي في إطارها اعتملت، أصبح الرأي العام "الفيزيائي" لتلك المرحلة يقبل بوجود "الفوتونات"، ويعتقد بثنائية "موجة ــ جزيئة" للضوء، حيث يتصرف الضوء كجزيئة حين يتفاعل مع المادة، وكموجة حين ينتشر بحرية، ومع ذلك لم تنوجد حينها نظرية كاملة للضوء تعتمد هذه الطبيعة الثنائية للضوء، إلا مع التبلور اللاحق لنظرية متجانسة للمادة: المكانيك الكوانتية، حيث خيضت في سيرورة تبلورها مجموعة من التجارب التي بينت أنه:

    1 – حين يتم عرض الإلكترون على شاشة مستشعة، و بملاحظة الومضات الناتجة عن ذلك، اعتبر الإلكترون جسيما.

    2- وحين يخضع الإلكترون لتجربة جديدة، انطلاقا من مصدر واحد، مع وجود ثقبان في الشاشة، يمر منهما معا في نفس الوقت خالقا تأثيرا تقاطعيا، أكد على وجود موجة.

    هكذا إذن، فإن إلكترونا واحدا و شاشة بثقبين (من ورائها لوحة فوتوغرافية) و مرور الأول من الثانيتين يظهر الإلكترون كموجة.

    والخلاصة، هي أن الإلكترون يتصرف كجزيء وكموجة، إنه في مكانين مختلفين و في أشكال مادية مختلفة في نفس الوقت. و مرة أخرى تجسد وتأكد قانون الصراع بين القديم و الجديد، فوقفت الجماعة العلمية مقاومة للاكتشافات الجديدة، و ستصمد هذه المفارقات حتى تبلور ميكانيك الكوانتا الجديد. هكذا نكون إذن قد مررنا من نيوتن إلى ماكسويل، و من هذا الأخير إلى هرتز، و منه إلى بلانك، وصولا إلى إنشتاين ومن بعده ("بروغلي"، "هايزنبرغ"، "شرودينغر"...)، و سيتبين أن فهم ظواهر العالم "سوب أتوميك" (دون الذري) لا يمكن فهمها باستعمال مناهج الفيزياء الكلاسيكية أو الشبه الكلاسيكية، و من هنا تبلور ميكانيك الكواننا و نظرية النسبية، و سيتأكد مرة أخرى خطأ كل محاولة لإعطاء أجوبة نهائية وقطعية عن معرفتنا للعالم، و كما هو الحال دائما عند كل جديد، يعارض المتشبثون بالقديم النظريات الجديدة كما حصل مع "ماكسويل"، "بلانك" و "إنشتاين" و غيرهما.

    شكلت ميكانيكا الكوانتا قطيعة مع نوع من الجبرية الميكانيكية (ما يسميه انجلز بالطريقة الميتافيزيقية) و ذلك لصالح مفهوم ديناميكي مرن و جدلي للطبيعة. لقد اكتشفت هذه الفيزياء الجديدة تلك القوى الهائلة، التي تختزنها النواة الذرية، الشيء الذي ساعد كثيرا على استعمال و استغلال الطاقة النووية.

    خلاصة القول هنا، فقد تم القضاء على الفصل بين المادة والطاقة بشكل نهائي، إن المادة و الطاقة هما شيء واحد (الطاقة تساوي الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء، وتحول الأولى إلى الثانية والعكس كذلك). هذا و قد سبق لانجلز، و هو يصف الطاقة "الحركة"، أن اعتبرها نمط وجود، بل صفة لصيقة بالمادة.

    لقد صدمت قوانين ميكانيكا الكوانتا "الحس السليم" (المنطق الصوري) لدى العديد من العلماء و المتتبعين لتطور العلوم، لأن هذا المنطق الصوري ليس بإمكانه إدراك وحدة التناقض الجدلية، فبالنسبة إليه، إما الجسيم (الجزيئ) أو الموجة، أما وهما معا في وحدة مادية، فذلك بالنسبة له تناقض غير مقبول، مسموح به لدى المثاليين، و من هنا كل المحاولات لشرح الظواهر المتناقضة في عالم الذرة السفلي (سوب أتوميك) عن طريق المنطق الصوري تنتهي حتما إلى التخلي عن الفكر العقلاني العلمي، و تفتح الأبواب مشرعة أمام المفاهيم المتافيزيقية المثالية.

    ونرى التخبط واضحا عند المتشبثين بالهندسة التقليدية، عندما يتصورون النقطة باعتبارها أصغر تعبير عن الفضاء، ليس لها أبعاد، وفي الواقع، فإن النقطة هي عبارة عن ذرات تتضمن إلكترونات وأنوية و فوتونات و جسيمات أصغر فأصغر ... إن النقطة تضيع وسط تدفق لا يتوقف لدوامة من الموجات الكوانتية، إنها سيرورة بدون نهاية، و في الحقيقة لا توجد نقطة ثابتة أو ساكنة، وهي ضربة قاصمة للمثاليين الباحثين عن أشكال "خالصة" وثابتة، حيث تقيم وراء الواقع المادي الملحوظ والمتحرك أبدا.

    إن الواقع الأسمى هو العالم المادي اللانهائي الأبدي، المتحول أبديا، فبدل مكان ثابت: نقطة، نجد سيرورة، تدفق لا يتوقف، وكل محاولة لوضع حدود له، على شكل بداية ونهاية، مآلها الحتمي الفشل.

    بصدد اختفاء المادة:

    سبق وأن جئنا في النص أسفله على ذكر كيفية ادعاء التجريبيين النقديين أن المادة قد تلاشت، وكيف جاء رد لينين على ذلك، والآن نعيد السؤال، هل حقا يمكن أن تختفي المادة؟

    هناك في مجال علوم الفيزياء مبدآن أساسيان، وهما:

    1 – مبدأ الحفاظ على الطاقة (اقترحه لأول مرة الألماني ليبنيتز في القرن 17 على شكل صيغة حسابية / رياضيات، ضمن سياق مفهوم "القوة الحية" الذي كان يعني حينها الطاقة الحركية).

    2 – مبدأ الحفاظ على الكتلة (وهو مبدأ أساسي في علوم الفيزياء والكيمياء، طرحه وأكده تجريبيا "لفوازييه" بعد أن استنتج قبله "جون راي" نظريا صحة هذا المبدأ، وقد كان لإنشتاين بعد ذلك دور مهم في توضيحه وتدقيقه ضمن سياق تبلور ميكانكا الكوانتا).

    لقد سبق أن ذكرنا أن إنشتاين برهن على أن الكتلة و الطاقة متناسبتان، و من تمة كانت صيغته / معادلته الشهيرة :₂cm = e، بما يعني أن c وهي سرعة الضوء (300 ألف كلم في الثانية)، وe الطاقة التي يتضمنها جسم لا يتحرك وm هي كتلته.

    إن كم الطاقة الموجودة في الجسيم متناسب مع كتلته، ومجموع الطاقة يبقى دائما نفسه. إن فقدان نوع من الطاقة يتم تعويضه بنوع آخر من الطاقة (تحول الطاقة الحركية مثلا إلى طاقة كامنة والعكس).  إن الطاقة وإن غيرت شكلها باستمرار، تبقى دائما نفسها، وبما أن الكتلة ليست إلا شكلا من أشكال الطاقة، فإن المادة والطاقة لا يمكن خلقهما أو تدميرهما.

    لقد أشرنا أعلاه، أن قوانين الفيزياء الكلاسيكية لا يمكن تطبيقها على السيرورات من مستوى "سوب أتوميك"، ومع ذلك هناك قانون في الطبيعة لا يعرف الاستثناء وهو قانون الحفاظ على الطاقة، فعلماء الفيزياء يعرفون أن حمولة موجبة أو سالبة لا يمكن خلقها من لا شيء. إن قانون الحفاظ على الحمولة الكهربائية يعبر بدوره عن ذلك، والأمثلة العلمية التاريخية تأكد ذلك، نذكر منها ما أطلق عليه في إحدى الفترات ب"لغز الطاقة المفقودة" :

    ــ في سياق التجارب والدراسة حول جزيئة "بيتا"، وقف الفيزيائيون على ما أطلق عليه ب "لغز الطاقة المفقودة" والتي تضرب في الصميم مبدأ الحفاظ على الطاقة، حيث أشار "بوهر" (Bohr) بهذا الصدد إلى أن قانون الحفاظ على الطاقة هو غير صالح لجزيئاتها. إلى أن تم حل لغز هذه الطاقة المفقودة بتوقع واقتراح "بولي" (Pauli) بوجود جزيئة ثالثة إلى جانب تحول النترون إلى بروتون وانبعاث إلكترون، وهي النوترينو التي اعتبرت في البداية "جزيئة شبح"، إلى أن تم التثبت تجريبيا من وجودها ربع قرن بعد ذلك. وهكذا لم يعد بالإمكان الحديث عن شيء اسمه "طاقة مفقودة".

    وسط العدد الهائل إذن، الذي لا يحصى، من التحولات (الطاقية بالتحديد)، يظل قانون الحفاظ على الحمولة الكهربائية قائما، كما هو كل قوانين الحفاظ، فليس هناك ولو جزيء صغير من الطاقة تم خلقه أو تدميره، وهذه الظاهرة الأخيرة لن تتم أبدا.

    حسب "فرنادزسكي" العالم السوفياتي الشهير فكلنا أبناء الشمس

    لماذا نحن أبناء الشمس؟

    عندما تتحد البروتونات في الشمس تتشكل أنوية الهليوم، فتتحرر طاقة نووية، جزء منها تبثه الشمس على شكل فوتونات تحتوي على جسيمات طاقة كهرومغناطيسية تلتقطها النباتات، تختزنها هذه الأخيرة بعد تحويلها عن طريق سيرورة "فوطوسانتيز" إلى طاقة كيماوية. إن هذه الطاقة يتم استعادتها من طرف البشر عندما يتغذى على هذه النباتات أو الحيوانات التي سبق لها أن تغذت هي الأخرى عليها، وهو ما يوفر الحرارة والطاقة لجسم البشر: عضلات، الدورة الدموية، المخ ... هكذا هي الحياة إذن على الأرض، عبارة عن سلسلة مترابطة من العلاقات، تعود كلها إلى تلك الطاقة التي توفرها الشمس للحياة على الأرض، وهذا تأكيد مرة أخرى على مبدأ الترابط والكلية المادي الجدلي.

    وعلى قاعدة هذا التصور، الذي يؤكد على وحدة العوالم الثلاث: المعدني، النباتي والحيواني، يمكن توجيه النقد الجذري والثوري إلى تلك النظرة "الأنتروبو مركزية" التي تجعل من "الإنسان" مركز الكون وصاحب الأولوية في كل شيء، تلك النظرة التي سقط فيها حتى بعض العلماء السوفيات، والتي يلخصها "ميتشورين" عندما قال: "لا يمكننا أن ننتظر عطايا الطبيعة، بل علينا أخذها، وتلك مهمتنا".

    لا يمكننا فصل البشرية، باعتبارها مادة حية، عن السيرورة العامة للمادة التي تتطور باستمرار، فلسنا من عجين مختلف، ولذلك فالنظرة "الأنتروبو مركزية" وتفرعاتها لا علاقة لها إطلاقا بالمادية الجدلية التي تؤكد على كرامة الواقع والحياة.

    لقد استطاع لينين أن يقدم لنا تعريفا فلسفيا دقيقا لمفهوم المادة، التي ليست سوى الواقع الموضوعي، الذي يصلنا عن طريق الإدراك الحسي، وهذا الواقع الموضوعي يتضمن الأشياء الصلبة وكذلك الضوء، فالفوتونات هي مادة بنفس درجة باقي عناصر المادة الأخرى، كالإلكترونات و النوترونات والبروتونات...

    لقد رأينا أن الكتلة تتحول باستمرار إلى طاقة (ينطبق هذا كذلك على الضوء و الفوتونات)، و الطاقة هي الأخرى تتحول إلى كتلة. إن سيرورة التحول الدائم، التي تميز العالم "سوب أتوميك"، هي تأكيد صارخ على أن الديالكتيك ليس اختراعا ذاتيا محضا للعقل، بل يوافق فعلا سيرورات التحول الموضوعي في الطبيعة، هذا التحول الأبدي اللانهائي، وهذا تأكيد ملموس على أن المادة غير قابلة للتدمير والاختفاء (اللا وجود).

    البحث عن "اللبنات الأخيرة للمادة" وأوهام المفهوم المثالي للعالم:

    عرف القرن العشرين، ويعرف قرننا الآن استمرار السباق المحموم للعلماء من أجل إيجاد الجسيمات الأخيرة والنهائية، التي ليس من بعدها شيء، والمقصود هنا الأشياء المتناهية في الصغر التي ما بعدها شيء أخر. وبطبيعة الحال، فالاكتشافات العلمية تلعب دورا هاما في تطور المعرفة الإنسانية والحياة المادية للإنسان، لكن العلماء عندما يؤولون اكتشافاتهم، خاصة عندما يقفون أمام تناقضات اكتشافاتهم، ويجدون منطقهم الصوري عاجزا عن تفسير بعض الظواهر، يفتحون الباب للتأويلات المثالية والدينية تعبيرا عن عجزهم عن فهم كنه الاكتشاف العلمي وما يحمله من تناقضات.

    منذ ما يزيد عن قرن من الزمن، اعتقد العلماء أن الذرة غير قابلة للتقسيم، وأنها هي أصغر جزء مكون للمواد، وعند نهاية القرن التاسع عشر تم التأكد تجريبيا من وجود الإلكترونات التي تم التنبؤ بها لأزيد من عشرين سنة قبل ذلك، وفي بدايات القرن العشرين تم اكتشاف البروتونات وساد الاعتقاد حينها أنها إلى جانب الإلكترونات تشكل الجسيمات الأساسية للمادة، إلى أن تم من جديد، عشرون سنة بعد ذلك، اكتشاف النوترونات بعد أن تم التنبؤ بوجودها هي الأخرى لسنوات قبل ذلك، و تم التنبؤ بالفوتونات التي تم بعد ذلك التثبت تجريبيا من وجودها المادي هي الأخرى، و اعتبر أن الواقع المادي يتشكل من هذه العناصر، فأعلن العلماء انتصارهم كما لو أنه انتصار نهائي، لكن ما أن مضى زمن قصير حتى برزت اكتشافات أعمق: النترينو، الكوارك، الغلوون، الميون...

    إن اكتشاف هذه العناصر كان يظهر مستحيلا قبل العصر الكوانتي، ذلك أن أمد الحياة لدى مجموعة من هذه الجسيمات لا يتعدى جزءا من المليار من الثانية، بل هناك من العناصر المادية من لا يتجاوز جزءا من التريليون من الثانية (التريليون هو مليارx مليار)، فالتاوون يتحول خلال جزء من التريليون من الثانية إلى مييون ثم إلى إلكترون.

    هناك جسيمات كثيرة تم اكتشافها أمد حياتها أقل بكثير (حوالي عدة تريليونات من الثانية) ولا زال البحث مستمرا من أجل إيجاد طرق حساب أمد حياتها، فالجسيم المحايد سيغما، يتفكك في قرابة مئة تريليون من الثانية.

    وقد تم اكتشاف 150 جسيما آخر، أطلق عليها اسم الهدرون، ثم انتقل الحديث عن الكوارك (Quark) باعتباره العنصر الأصغر والنهائي المكون للمادة، ويتم الحديث عن ستة أنواع من الكوارك (up, down, charm, strange, top, bottom)، توجد بشكل متوازي مع ست جسيمات أكثر خفة ويطلق عليها اللبتون (Lepton)، ثلاثة من هذه الأخيرة بحمولة سالبة وثلاثة بحمولة محايدة، فالمادة مشكلة حسب هذا التصنيف من 12 جسيما، مشكلة من أزواج، فالكوارك مثلا مشكل من زوجين أحدهما بحمولة إيجابية (up) والآخر بحمولة سالبة (down).

    هكذا يتلخص الكون بأكمله إذن في: الكوارك (up, down) والإلكترونات، والكل ممسوك ومتحرك بواسطة أربع قوى: القوة الشديدة (أطلق عليها كذلك بالتفاعل القوي أو القوة اللونية) وهي القوة التي تربط "الكواركس" (جمع كوارك) عن طريق جزيئات الغلوون. والقوة الكهرومغناطيسية وهي التي تربط الإلكترونات بالنواة الذرية من خلال الفوتونات. والقوة الضعيفة وهي المسؤولة عن الانشطار النووي، والتي تتجلى تحت تأثير ثلاث بوزونات (w+, w-, Z0). ثم الجاذبية والتي تحكمها النسبية العامة. من دون أن ننسى طبعا "بوزون هيغس" (Boson de Higgs) الذي تم اكتشافه في السنوات الأخيرة، بعد أن كان فرضية لمدة تزيد عن خمسين سنة (سنة 1964 من طرف Peter Higgs)، حيث دار الحديث بهذا الصدد في الأوساط الدعائية المعادية للمادية، عن أنه، أي البوزون، هو "جسيم الله" (تم "تعميد" البوزون" بهذا الاسم في "كاتدرائية" هؤلاء "العلماء" سنة 1993)، الذي منه خلق العالم، ويستمر الحديث، وتستمر معه خرافات الصحافة المختصة بالمواضيع العلمية، ويدخل الدعاة ورجال الدين والفلاسفة المثاليون على الخط لترويج الأوهام والظلامية والفكر الميتافيزيقي.

    إن إيجاد اللبنة الأخيرة للمادة هو وهم يحمله العلماء ذوي النظرة المثالية لأن المعرفة العلمية لا حدود لها، فلا يوجد مستوى يمكن الوصول إليه بحيث لن يعود هناك ما يمكن اكتشافه. فالسيرورة الجدلية لتقدم المعرفة لا نهائية تماما كما هو الكون نفسه والمادة، لا ينضبان، فليست هناك بداية كما أن ليست هناك نهاية، إن الكون أبدي، والمادة كذلك، ولا توجد أي سيرورة معزولة عن أي سيرورة أخرى، فكل الظواهر مرتبطة ومتداخلة فيما بينها بدرجات مختلفة.

    علي محمود

    11- 7 - 2019

    يتضمن هذا العدد المحاور التالية:

    ــــ تقديم ـــ بقلم علي محمود

    ــــ بصدد كتاب لينين: "المادية والمذهب النقدي التجريبي" ــــ ملخص ـــ بقلم حمو خالد

    ــــ حول كتاب "المادية والمذهب النقدي التجريبي" من أربعة أجزاء ــــ بقلم علي محمود

    لقراءة هذا العدد، اضغط على صورة الغلاف أسفله