Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

الشرارة

  • ماركس الإنسان، ماركس عقل العالم

     تقديم

     تخلد البروليتاريا العالمية وشعوب الأرض المضطهدة هذه السنة، الذكرى المئتين لميلاد المعلم البروليتاري كارل ماركس. في الخامس من ماي تحتفل الطبقة العاملة في كل بلاد العالم بهذه الذكرى، مستحضرة أفكار هذا المعلم، الذي زودها بسلاحين أساسيين، لتحررها من الاستغلال والاضطهاد الطبقيين، ألا وهما، المادية الدياليكتيكية والمادية التاريخية.

    في استحضار هذا اليوم نجد البورجوازية واقتصادييها ومثقفيها يحاربون أفكار ماركس علنا، ويبحثون سرا في كتابه الرأسمال عن حلول لأزماتهم الاقتصادية، التي تنتقل من طور إلى طور آخر جاعلة من نظرياتهم الاقتصادية أضحوكة على كل لسان. أما الانتهازيون بكل أصنافهم من إصلاحيين وتحريفيين فتعاملهم الانتقائي مع فكر ماركس واضح بين غير مستتر. فقط الماركسيون- اللينينيون والثوريون والبروليتاريا العالمية وشعوب الأرض المضطهدة من يحتفون بميلاد ماركس احتفاء حقيقيا.

    لقد مرت على ميلاد كارل ماركس مئتين سنة، ورغم ذلك لا زالت وستظل أفكار ماركس والماركسية تشكل شبحا بالنسبة لأعداء مشروع المجتمع الإنساني الشيوعي الذي تزول فيه الفوارق الطبقية ويخلو من الاستغلال الطبقي.

    إن البورجوازية المهيمنة اقتصاديا وسياسيا على العالم يخيم عليها شبح ماركس وأفكاره المرعبة لوجودها، لهذا فهي تبذل كل الجهود، من أجل إزاحة هذا الشبح عبر تغييب أفكاره وتشويهها في المقررات المدرسية والجامعية في كل المجالات التي كان ماركس  رائدها، في الاقتصاد  والفلسفة، في العلوم الاجتماعية والتاريخية، بل تطرده من كل الفضاءات التي يعد حضور فكره فيها قويا، إنه الرجل الأكثر كرها من طرف البورجوازية، وإليه تنسب كل الجرائم في التاريخ، والتي في الحقيقة ليست إلا جرائمها، جرائم الاضطهاد والاستغلال، التي فضحها ماركس وعراها سياسيا وإيديولوجيا، عندما أوضح الدور العالمي التاريخي للبروليتاريا بوصفها بانية المجتمع الاشتراكي و مشروع المجتمع الشيوعي.

    لقد استحوذ الفكر الماركسي على عقول الملايين من الناس، وذلك نظرا لما ميز الماركسية عن باقي النظريات والمذاهب ألا وهو روحها الثورية.

    كان ماركس ذلك الكابوس الذي ظل وسيظل يطارد كل الأعداء الطبقيين للبروليتاريا وكادحي العالم، لأن رسالته في الحياة كانت الإسهام بشكل أو بآخر في تقويض المجتمع الرأسمالي، والمؤسسات التي خلقها، من أجل تحرير البروليتاريا، والكفاح كان ميدانه، فكان يكافح بحماس وعناد ونجاح منقطع النظير، لذلك كان كارل ماركس، الرجل الذي مقت وكره وافتري عليه أكثر من غيره في زمانه، فقد نفته الحكومات الاستبدادية منها والجمهورية، واجتمع ضده المحافظون والديموقراطيون، لكنه لم يهتم بكل هذا إلا عند الضرورة القصوى، وحتى لو كان له الكثيرين من المعارضين، فلم يكن له أعداء شخصيون، لأن كارل ماركس ضد شخصنة الصراع، وكان يعتبر ذلك أسلوبا مقيتا، بنفس القدر الذي كان يرفض به المدح،  لذلك مات وسط محبة وإجلال وبكاء الملايين من الرفاق الثوريين من أقاصي مناجم سيبيريا إلى كاليفورنيا، ومن أوروبا إلى أمريكا، وما زال يحتفظ بحب كل الثوريين والثوريات الآن وغدا وبعد غد، ولكل ذلك سيخلد اسمه عبر العصور، وكذلك أعماله، وتحتفظ له النساء بفضله عليهن .              

    كانت التهجمات الشخصية على ماركس قد بلغت مستوى من الجنون والغباوة، كانت تضطره إلى الرد عليها، وهي لا زالت، وقد رد عليها لينين بالثورة البلشفية المجيدة وماو تسي تونغ بالثورة الصينية العظيمة.

     لقد أكمل ماركس وأتم على نحو عبقري التيارات الفكرية الرئيسية الثلاث الأكثر تقدما بين البشر في القرن 19: الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، والاقتصاد السياسي الكلاسيكي الانجليزي، والاشتراكية الفرنسية، المرتبطة بأفكار الثورة الفرنسية بوجه عام، هذه الأفكار التي تؤلف مجموعها، المادية والاشتراكية العلمية المعاصرتين، بوصفهما نظرية الحركة العمالية، وبرنامجها في جميع البلدان المتمدنة في العالم.

    إن الأعمال العظيمة لماركس في التاريخ يشهد عليها لينين، عندما قال إن الشيء الوحيد الذي كان يستحوذ على اهتمام ماركس (ومعه رفيقه انجلز) أكثر من أي شيء آخر، وأن الشيء الذي كرس له الأمور الأعظم جوهرية، والأكثر جدة، والشيء الذي يشكل التقدم البارع الذي حققه في تاريخ الفكر الثوري، كان هو تطبيق المادية الدياليكتيكية بإعادة صياغة الاقتصاد السياسي بكامله، بدءا من أسسه وصعودا إلى التاريخ والعلوم الطبيعية والفلسفة وسياسة الطبقة العاملة وتكتيكها.

    لن نخوض في هذا المقال في ما أنتجه ماركس من فكر في جميع المجالات، إلا ما جاء عرضا ونحن نستعرض مسار حياة هذا المعلم الثوري، إن هذا المقال يركز بالأساس على ماركس الإنسان، على مآسي عقل العالم هذا، على فقره المدقع، على صحته المعتلة، على أمراضه التي اجتمع فيها ما تفرق على غيره، سنتحدث بالأساس عن حرارة ماركس الإنسانية، عن صداقته ورفاقيته، عن ماركس المحب العاشق، ماركس المحبوب، ماركس وتربية الأبناء، ماركس الشاعر ومتذوق الآداب والفنون، ماركس صرامة الضمير، ماركس المنبوذ والمطارد من فضاء إلى آخر، ماركس الأممي الذي نزعت عنه هويته ولم يضره ذلك في شيء، ماركس الذي يهتم بكل شيء، ماركس جدلية الضعف والقوة، باختصار نركز على ماركس في جميع أحواله الإنسانية، لنصل إلى خلاصة مفادها، أنه وسط هذا الكم من العلل والأدواء في هذا البحر من المآسي أنتج ماركس ما لا يقدر عليه أعتى الأصحاء، فقد ظل العقل متيقظا والذكاء متوقدا، لا يشوش عليه إلا عزيز تم فقده وضيق ذات يد تجعله  عاجزا عن القيام بمسؤولية، هذا هو ماركس العظيم الذي يتناوله هذا المقال.

    جميلة صابر

    5 – 5 - 2018