Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

  • الحزب الشيوعي الصيني من التأسيس إلى القواعد الثورية ومناطق السلطة السياسية الحمراء (الحلقة الثانية)ـ

    ينشر الموقع الحلقة الثانية من الجزء الثاني الذي يحمل عنوان: "الحزب الشيوعي الصيني من التأسيس إلى القواعد الثورية ومناطق السلطة السياسية الحمراء"، من سلسلة دفاتر "قوموا بالتحقيقات ولا تنطقوا بالحماقات". (حلقات الجزء الأول والحلقة الأولى من الجزء الثاني توجد في خانة ملف الذكرى 68 لانتصار الثورة الصينية العظيمة)

    ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ

    دفاتر "قوموا بالتحقيقات ولا تنطقوا بالحماقات"

    الجزء الثاني

    الحزب الشيوعي الصيني من التأسيس

    إلى القواعد الثورية ومناطق السلطة السياسية الحمراء

    الحلقة الثانية

    3 ـــ الحزب الشيوعي الصيني، التأسيس والانطلاقة

    4 ـــ الأممية الشيوعية الثالثة و"المسألة الوطنية والكولونيالية"

    4 ــ 1 ــ في زوبعة اليمينيين و"اليسراويين"

    4 ــ 2 المؤتمر الأول للأممية الشيوعية الثالثة (موسكو، 2 ــ 6 مارس 1919)

    4 ـــ 3 ـــ المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية (موسكو 23 يوليوز ــ 7 غشت 1920، الافتتاح ب"بيتروغراد" في 19 يوليوز 1920)

    4 ـــ 3 ـــ 1 ـــ الأفكار الأساسية للتقرير الذي قدمه لينين

    4 ــ 3 ــ 2 ــ أطروحات لينين حول "المسألة الوطنية والكولونيالية" التي تم تبنيها خلال المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية

    5 ـــ المؤتمر الأول لشعوب الشرق (باكو، 1 ــ 8 شتنبر 1920)

    ــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

    3 ـــ الحزب الشيوعي الصيني، التأسيس والانطلاقة

    انطلق عقد المؤتمر الأول التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني في بداية شهر يوليوز (1921) بشنغهاي، بمنطقة "النفوذ الفرنسي"، حيث أقام المؤتمرون بمدرسة غير مأهولة للبنات، في حين جرت أشغال المؤتمر بمنزل يعود ل "لي هان شون". وقد عرف هذا المؤتمر انقطاعا وتغييرا لمكان انعقاده حين علم بإمكانية تدخل الجهاز البوليسي، ليتم استكمال أشغاله على بحيرة في "كيا هسينغ".

    حضر هذا المؤتمر الأول التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني اثنا عشر عضوا1، هم مندوبون عن 57 عضوا ينتمون بدورهم إلى سبع مجموعات مناطقية / إقليمية (كانتون، شنغهاي، بكين، ووهان، تسينان (محافظة شانتونغ) ومن بعض المناطق الجبلية الشرقية، وكان من بين المؤتمرين ماو تسي تونغ (عمره حينها 28 سنة) الذي مثل فيها مجموعة "شانغسا" (عاصمة منطقة هونان، وهي توجد جنوب "ووهان" وشمال "قوانغ قونغ" مركز تواجد حزب الكيومنتانغ).

    خلال هذا المؤتمر الأول التأسيسي، برزت وجهتي نظر عارضتها الأغلبية الحاضرة. وباختصار، فوجهة النظر الأولى طرحها ما أطلق عليه بأنصار "الماركسية الشرعية / القانونية"، يمثلهم "لي هان شون" (وهو أحد الأعضاء الثلاث النواب / البدلاء لأعضاء القيادة المركزية التي سيفرزها هذا المؤتمر التأسيسي)، حيث اعتبروا أن الدعاية للإيديولوجية الجديدة (الماركسية) يجب أن يتم عن طريق الصحافة وبوجه مكشوف، وعن طريق العمل البرلماني أكثر منه من العمل الثوري (عرف هذا التيار بخط "نظرية الثورتين" المنفصلتين، ثورة برجوازية بقيادة الكيومنتانغ، وثورة اشتراكية بقيادة الحزب الشيوعي، أي خوض غمار السيرورة التاريخية للثورة البرجوازية لبناء الرأسمالية وبعدها العمل على إطلاق الثورة الاشتراكية).

    على عكس وجهة النظر الأولى هذه، برزت وجهة نظر ثانية، عارضتها هي الأخرى الغالبية الحاضرة، وهي وجهة نظر ترفض مقدما أي تعاون مع الأحزاب الوطنية البرجوازية والديمقراطية، وتريد الاعتماد كليا وحصرا على الطبقة العاملة، والوصول في أقرب وقت ممكن إلى السلطة (زعماء هذا التيار، ومنهم "ليو شن شينغ" الذي اضطر لاحقا إلى مغادرة الحزب، تم تصنيفهم وسط الحزب ضمن خط التروتسكية والتحريفية، وقد عرف هذا التيار بخط "سياسة الباب المسدود").

    لقد بلور المؤتمر الأول التأسيسي برنامجا، عمل الحاضرون على أن يبقى برنامجا سريا، ثم انتخب قيادة مركزية كان كاتبها العام هو "شن تو سيو"، حيث تشكلت هذه القيادة من ثلاث أعضاء، وهم: "شن تو سيو" (الكاتب العام وهو صاحب "نظرية الثورتين" المنفصلتين)، و"شانغ كيو تاو" (أو "زانغ كوطاو") وهو مسؤول عن التنظيم (وهو أحد زعماء تيار ما سمي ب "سياسة الباب المسدود")، و "لي تا" وهو مسؤول عن الدعاية. في الواقع، شكلت هذه القيادة المركزية حينها جنين المكتب السياسي المستقبلي للحزب، وهي تعمل بمساعدة ثلاث نواب (أو بدائل) هم "شو فو هاي"، "لي هان شون" و "ليو شن شينغ"2. الملاحظ إذن، بناء على تشكيلة القيادة المركزية للحزب، أن اسم ماو تسي تونغ لم يكن من بينها كما تدعي بعض "الأقلام"، كما أن طرح مسألة سياسة التعاون مع الأحزاب الوطنية البرجوازية والديمقراطية، وتحديدا مع حزب "الكيومنتانغ"، وهي السياسة التي دافع عنها تيار "الماركسية الشرعية" في إطار نظرية أولوية "الثورة الديمقراطية البرجوازية" بقيادة حزب الكيومنتانغ، ورفضها تيار أخر دافع من جهته عن آنية "الثورة الاشتراكية" بقيادة الحزب الشيوعي، تدفع للتساؤل من جهة، عن الأسس النظرية والسياسية التي اعتمدها الحزب في طرحه لهذه المسألة خلال مؤتمره التأسيسي، ومن جهة ثانية، عن الخط الذي نهجه الحزب الشيوعي بشأنها، خصوصا بعد رفض أغلبية الحاضرين في المؤتمر التأسيسي لوجهتي نظر التيارين السالفين الذكر (سنأتي على هذه المسالة لاحقا في هذا الجزء الثاني).

    على العموم، لقد عبر الحزب الشيوعي في هذه الفترة، عن سلوك سياسي محدد اتجاه كل الأحزاب، بما فيها حزب الكيومنتانغ، رغم عدم امتناع الأغلبية عن سياسة التعاون مع هذا الأخير، حيث تم تحميلهم مسؤولية "الفوضى" السياسية إلى جانب مسؤولية أمراء الحرب الشماليين3. وذلك بسبب سياسات الكيومنتانغ التوافقية، أحيانا حتى مع بعض السلطات العسكرية في بعض الفترات، وكذا بسبب سياسات التردد والالتواء التي نهجها هذا الحزب خلال هذه الفترة.

    في نفس الوقت، أدان الحزب فكرة الانتماء في آن واحد إلى تشكيلات سياسية متنوعة (كانت هناك، إلى جانب حزب الكيومنتانغ، مجموعة من الجمعيات والمنظمات "الاشتراكية" و"الفوضوية"). فهذه المسألة الأخيرة لها أهمية كبيرة جدا بخصوص نوعية وشكل العلاقة التي سيربطها الحزب الشيوعي مع حزب الكيومنتانغ لاحقا، حينما نعلم أن مسألة تعاون الحزب الشيوعي مع هذا الأخير، الذي اعتبرته الأممية الشيوعية الثالثة حزبا برجوازيا وطنيا، قد أقرتها الأممية الشيوعية نفسها قبل أن يتشكل الحزب الشيوعي، وذلك ضمن ما أطلق عليه ب "المسألة الوطنية والكولونيالية" في مؤتمرها الثاني المنعقد بموسكو بتاريخ 23 يوليوز ــ 7 غشت 1920 (الافتتاح جرى ب "بتروغراد" في 19 يوليوز 1920).

    لقد سجلت محطة المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الصيني إذن، رغم قلة أعضاءه وحداثته وضعفه، انتهاء إلى حد كبير لمرحلة الخلط والتردد وسط المجموعات المنتسبة بهذا القدر أو ذاك إلى الفكر الماركسي، وتثبيت اتجاه "محدد" وتنظيم مركزي، مسترشدا بإيديولوجية محددة، وبدعم سياسي من الأممية الشيوعية ومن روسيا السوفياتية، سينطلق الحزب إلى موضوع وذات نضاله، وسيتوجه بداية إلى البروليتاريا الحضرية، حيث عرفت بدايات الحزب تطورا سريعا خصوصا على المستوى النقابي في المواقع البروليتارية بعد مجهودات خاصة لأعضائه. هكذا استطاع الحزب في شهر غشت، أي شهرا واحدا بعد مؤتمره التأسيسي، تأسيس "سكرتارية منظمات العمال الصينيين" تحت قيادة "شانغ كيو تاو" (وهو عضو القيادة المركزية للحزب والمسؤول فيها عن التنظيم، وهو كذلك أحد زعماء تيار "سياسة الباب المسدود" وآنية "الثورة الاشتراكية")، والتي ستعمل على التكوين السياسي للعمال وتطوير العمل الدعائي وسطهم عن طريق خلق جريدة حملت اسم "أسبوع العمل" التي ستنضاف إلى مجموعة من الجرائد التي كانت تصدرها بعض المجموعات "الماركسية" منذ 1920. لقد عرفت بداية السنة الموالية للتأسيس سلسلة مهمة من النضالات العمالية، كإضراب البحارة (في 13 يناير 1922) التي وصل فيها عدد المضربين إلى مائة ألف عامل مضرب تم فيها الشل الكامل للميناء الكبير ب "هونغ كونغ" إلى حدود بدايات شهر مارس، وإضراب عمال أوراش وسكة الحديد ("بكين ــ هانكو") في شهر فبراير، حيث عملوا على توحيد مختلف نقاباتهم المحلية في اتحاد عمالي واحد، والتي انتهت بشكل دموي (تم قتل أربعة عمال واعتقال المئات). لقد عملت السكرتارية التي أسسها الحزب الشيوعي الصيني على عقد أول مؤتمر للنقابات بكانتون في 1 ماي 1922، ومشاركة العديد من النقابات (أزيد من مئة نقابة محلية و نقابات المدن الكبيرة) والتي كانت تتواجد بها كذلك عناصر "الكيومنتانغ" و"الفوضويين" وغيرهم من بعض المجموعات "الاشتراكية" (كانت تمثل هذه النقابات في مجملها ما يقارب 270000 ألف عامل منقب من 12 مدينة)، ومن خلال المؤتمر تم تسجيل الموقف المناهض للإمبريالية والإقطاعية، والمطالبة بيوم عمل من ثماني ساعات، وترسيخ مبدأ التضامن العمالي خلال الإضرابات، وطرح ميثاق للعمل.

    عملت "سكرتارية منظمات العمال الصينيين" التي أسسها الحزب الشيوعي الصيني على تأجيج العديد من النضالات العمالية وعلى تأطيرها وعلى توسيع القاعدة النقابية، وعلى الخصوص في "شنغهاي" التي كانت تتمركز فيها يد عاملة تتجاوز حينها 500000 عامل، حيث وصل فيها عدد العمال المنقبين إلى ما يقارب 40000 عامل سنة 1922، و84000 سنة 1923 (من 24 نقابة سنة 1922 إلى 50 نقابة سنة 1923). وعلى ذكر هذه النضالات، نذكر بإضراب عمال الفحم بشمال شرق "هوبي" التي قادها الشيوعيون أواخر شهر شتنبر 1922، والتي التحق بها كذلك عمال سكة الحديد (ب "كينهان") وعمال السباكة (ب "هان يانغ")، وهو الإضراب الذي كان ماو تسي تونغ محرضه ومنظمه الرئيسي والفعلي في انطلاقته، قبل أن يتم استغلاله و"السطو" عليه من طرف "ليو شاو شي" (الذي لفظته الثورة الثقافية البروليتاريا الكبرى في أواخر الستينات من القرن الماضي) وينتهي الإضراب بالفشل بعد ثلاثة أيام فقط (من 23 إلى 26 شتنبر).

    لقد جئنا على ذكر هذه النضالات التي عمل الحزب الشيوعي الصيني على تنظيمها وقيادتها وسط البروليتاريا، وهو الحزب الحديث العهد والضئيل العدد (كان عدد أعضاء الحزب خلال صيف 1922 يقارب 123 عضوا، بعد أن كان عددهم 57 عضوا عند التأسيس في صيف 1921) إن تمت مقارنته بحزب الكيومنتانغ الذي تواجد عمليا منذ 1895 والذي قارب عدد أعضاءه في هذه الفترة مئتا ألف (200000) عضو4. فمثل تلك النضالات البروليتارية لم تشهدها الصين من قبل، والقصد هنا من حيث تسلسلها وزخمها، ومن حيث تنظيمها واتساع القاعدة البروليتارية التي كافحت من خلالها وواجهت هذه المرة ومنذ حركة 4 ماي 1919، أعدائها الطبقيين الرجعيين والإمبرياليين على حد سواء. قلنا، جئنا على ذكر هذا لنثير الانتباه إلى الأهمية القصوى التي منحها الحزب الشيوعي الصيني للبروليتاريا والعمل وسطها منذ انطلاقته، حيث لم يتم إيلاء نفس الأهمية، في هذه الفترة، للعمل وسط الفلاحين الذين يشكلون الأغلبية العظمى للصين، ولنثير الانتباه كذلك إلى الخط العام الذي اتخذه الحزب الشيوعي في بداياته، مع استحضار تواجد خطان وسطه وممثلان في القيادة المركزية للحزب، خط نظرية الثورتين المنفصلتين، ثورة أولى وطنية ديمقراطية برجوازية تكون بقيادة برجوازية وطنية، يمثلها ويعبر عنها سياسيا حزب الكيومنتانغ، لتليها ثورة ثانية اشتراكية بقيادة بروليتارية، وعليه فإنه على البروليتاريا أن تتخلى عن قيادة الثورة الأولى لصالح "البرجوازية الوطنية"، وأن يذعن الحزب الشيوعي الصيني لحزب الكيومنتانغ الذي عليه أن يقود سياسيا ثورة البرجوازية الوطنية. وخط أخر سمي بخط "سياسة الباب المسدود"، والذي يجعل من الثورة الاشتراكية مهمة آنية لا تقبل التأجيل بالصين. علما بأن هذه البلاد هي فاقدة للسيادة السياسية والاقتصادية، وهي أساسا فلاحية، وطبقتها العاملة حديثة العهد وأغلبيتها تتواجد تحت استغلال واضطهاد برجوازية الرأسمال الإمبريالي (أي الرأسمال الاستعماري)، وهي كذلك البلاد التي بها حكومة رجعية عميلة قائمة ببكين تزعم تمثيلها لكل الصين، ومناطق أخرى تتواجد تحت سلطات عسكرية، وهي كذلك البلاد التي تقتسم مناطقها مجموعة من البلدان الإمبريالية فيما سمي ب "مناطق النفوذ"، حيث يقول بهذا الشأن زعيم الوطنيين "سن يات سون": "لأي بلد هي الصين في النهاية مستعمرة؟ فهي مستعمرة لكل بلد لها معه معاهدة. جميع البلدان التي لها معاهدة مع الصين هم أسيادها، هكذا، فالصين ليست فقط عبدا لأمة واحدة، ولكن هي عبد لكل الأمم". بالإضافة إلى كل هذا وذاك، هناك الخط السياسي والإستراتيجي الذي طرحته الأممية الشيوعية الثالثة ابتداء من مؤتمرها الثاني (1920)، أي قبل أن يتم تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، حيث انوجدت حينها الأممية أمام وضعية جديدة ومختلفة تماما عن الأوضاع التي تعاطت معها سابقا والتي فيها كان كل التركيز منصبا على قضية الثورة البروليتارية ومشروعها الاشتراكي بالبلدان الرأسمالية، فهذه الوضعية الجديدة والمختلفة هي ما ستطلق عليه الأممية ب "المسألة الوطنية والكولونيالية"5.

    4 ـــ الأممية الشيوعية الثالثة و"المسألة الوطنية والكولونيالية"

    4 ــ 1 ــ في زوبعة اليمينيين و"اليسراويين"

    لقد أثارت سياسة تعامل الحزب الشيوعي الصيني مع حزب الكيومنتانغ في مرحلة الحرب الأهلية الثورية الأولى (تمتد هذه المرحلة إلى حدود ما أطلق عليه ب "حملة الشمال"6) لغطا كثيرا، غلب عليه إجمالا الجهل بالحقائق التاريخية وإصدار الفتاوي، وهو في الحقيقة، بالنسبة لهذا البعض الذي نقصده بداية هنا، الخط "اليسراوي" العقائدي، جزء من عملية هجوم شاملة على الحزب الشيوعي الصيني، انطلقت بداية بالهجوم على الخط الذي اعتمده هذا الأخير في مرحلة الحرب الأهلية الثورية الأولى والتي تميزت سياسيا أساسا بتعاونه مع حزب الكيومنتانغ، مع اختزال الحزب الشيوعي لهذه المرحلة في شخص ماو تسي تونغ، وأحيانا وصم خط الحزب منذ التأسيس ب"الماوية"، ثم تمديد عملية الهجوم هذه، بناء دائما على سياسة تعامل الحزب الشيوعي مع حزب الكيومنتانغ، على كل مراحل الحزب الشيوعي، حتى في مرحلة المواجهة العسكرية للعدوان الإمبريالي الياباني، و تركيزهم الحزب الشيوعي الصيني، في كل هذه المراحل، منذ التأسيس إلى انتصار الثورة، في شخص ماو تسي تونغ. وكأن الخط السياسي والاستراتيجي للحزب الشيوعي الصيني كان، من جهة، لا يمت بصلة لخط الأممية الشيوعية بهذا الخصوص، ومن جهة ثانية، وكأنه كان واحدا منذ انطلاقته، لم يعرف أي تحول وتغير يذكر، هو في نظر هؤلاء العقائديين، خط مستقيم منذ الولادة إلى أن انتصرت الثورة (هؤلاء يعتبرونها ثورة ديمقراطية برجوازية على نمط الثورات البرجوازية القديمة، اعتبروها هكذا في عصر الإمبريالية و بعد انتصار أول ثورة اشتراكية عظمى بروسيا، وسنرى لاحقا ما طبيعة هذه "الثورة الديمقراطية الجديدة" التي لم يبذلوا أي جهد لمعرفتها، ولا حتى هم منحوا لأنفسهم الوقت لذلك). وكأن سياسة التعامل مع حزب الكيومنتانغ في مرحلة الحرب الأهلية الثورية الأولى (أي إلى حدود القضاء على أمراء الحرب العسكريين الشماليين)، هي سياسة تعامل الحزب الشيوعي مع ذاك الحزب في مرحلة مواجهة العدوان الإمبريالي الياباني مثلا. وفي نفس الوقت، دائما من منظور هؤلاء العقائديين، ليس فقط أن سياسة التعامل تلك بقيت هي نفسها، بل بقيت وفي نفس إطار الخط الإستراتيجي للحزب الشيوعي الصيني، الذي هو الآخر، بعد عزلهم له عن خط الأممية الشيوعية في هذا الشأن، بقي كما هو منذ الولادة إلى انتصار الثورة. لا شيء لذا هؤلاء، في هجومهم، يوحي بأن الحزب الشيوعي عرف مراحل مختلفة في تطوره (هي تعبير عن نظرتهم الجامدة واللامادية للتاريخ)، أو عرف تحولا في خطه الإستراتيجي وفي سياسة تعامله مع حزب الكيومنتانغ. ولا شيء لذا هؤلاء، يوحي بأن الحزب الشيوعي الصيني نفسه، هو موضوع تناقضات وصراعات داخلية، كانت تجد تعبيرها في تحولات الخط الذي اعتمده الحزب، سياسيا واستراتيجيا، وفي تحولات سياسات تعامله مع حزب الكيومنتانغ. هذا بالنسبة لخط "اليسراوية" العقائدي ذو النظرة الأحادية والجامدة التي تتناقض كليا والديالكتيك المادي.

    أما بالنسبة لخط الانتهازية اليمينية، فهو، من حيث المنطق الداخلي لكل ما أسلفنا ذكره هنا، لا يختلف عن خط "اليسراوية" العقائدي، إلا من حيث الدفاع، عوض الهجوم الذي شنه الأول، عن سياسة تعاون الحزب الشيوعي الصيني مع حزب الكيومنتاغ. فالحزب الشيوعي بالنسبة لهذا الخط الانتهازي اليميني، ومن دون أن نعيد كل ما ذكرناه سابقا، نهج كذلك نفس سياسة التعاون مع حزب الكيومنتانغ على طول كل المراحل، ونهج نفس الخط السياسي والاستراتيجي منذ تأسيسه إلى انتصاره، وكان هذا الحزب الشيوعي هو حزب ماو تسي تونغ، منذ التأسيس، وبقي كذلك إلى أن انتصر.

    بدلا عن كل هذا، وبعيدا عن فتاوي الهجوم أو الدفاع عن سياسة تعامل الحزب الشيوعي الصيني مع حزب الكيومنتانغ، لم يعمد، لا هؤلاء ولا أولئك، إلى البحث عن طبيعة الخط السياسي والاستراتيجي الذي نهجه الحزب الشيوعي الصيني في بداياته، وعن الأسس التي اعتمد عليها الحزب الشيوعي الصيني في تعامله السياسي مع حزب الكيومنتانغ، وعن الطريقة التي بها تم التصريف العملي (التطبيق) لذاك التعامل السياسي في تلك المرحلة. ولا عن التحول الذي عرفه الخط الاستراتيجي للحزب الشيوعي الصيني حين الانقلاب عليه من طرف حزب الكيومنتانغ (1927)، وكذا التحول في تعامله السياسي مع هذا الأخير خلال العدوان الإمبريالي الياباني... كل هذا وغيره، لم يقدمه لا هؤلاء، ولا أولئك. وما يسري هنا على الحزب الشيوعي الصيني، يسري كذلك على حزب الكيومنتانغ، الذي هو في مخيلة هؤلاء أجمعين، لم يعرف أي تحول يذكر، لا قبل أن تشرف روسيا السوفياتية على إعادة بنائه على "النمط البلشفي"، أي نعم أشرفت روسيا السوفياتية على إعادة بنائه التنظيمي سنة 1924، وهي نفس السنة كذلك، تحديدا في ماي 1924، التي أشرفت فيها روسيا السوفياتية على التكوين السياسي والعسكري لأعضائه في "الأكاديمية العسكرية" التي أنشأت لهذا الغرض في "وهامبوا"، والتي لم يكن الهدف منها سوى بناء جيش على نمط الجيش الأحمر الروسي، وهي المدرسة العسكرية التي كان قائدها حين إنشائها "شيانغ كاي شيك" الذي كان قد زار روسيا السوفياتية قبل هذا لذاك الغرض، ومعلوم أن "كاي شيك" هذا، هو العسكري الدموي الذي قاد المجزرة الرهيبة في حق الشيوعيين والعمال والفلاحين سنة 1927. قلنا، أنه في منظور هؤلاء أجمعين، لم يعرف حزب الكيومنتانغ هو الآخر، أي تحول قبل أن تشرف روسيا السوفياتية على إعادة بنائه التنظيمي، ولا بعد أن أصبح هذا الحزب هو الحزب الحاكم بعد القضاء على أمراء الحرب الشماليين وإطلاق حملة استئصال دموية ضد الشيوعيين والعمال والفلاحين الثوريين، ولا حين اندلاع حرب مناهضة الإمبريالية اليابانية... (سنأتي على كل هذا في معرض هذا الجزء).

    ولنبدأ الآن، عملا بمبدأ "قوموا بالتحقيقات ولا تنطقوا بالحماقات"، في بحث مسألة التعاون السياسي بين الشيوعيين والحركات "البرجوازية الديمقراطية الوطنية" بالبلدان المستعمرة والشبه المستعمرة، أو ما تم طرحه باسم "المسألة الوطنية والكولونيالية" في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية الثالثة، ولنبدأ نحن من أول مؤتمر لهذه الأخيرة.

    4 ــ 2 المؤتمر الأول للأممية الشيوعية الثالثة (موسكو، 2 ــ 6 مارس 1919)

    لم تحضر "المسألة الكولونيالية" كمحور خاص أو نقطة لوحدها ضمن جدول أعمال المؤتمر، كما أن النقاشات العامة حولها لم تلامسها إلا بشكل غير مباشر وضمن إطار الأطروحات اللينينية حول الإمبريالية (انظر وثائق المؤتمر الأول للأممية بهذا الخصوص).

    حضرت هذا المؤتمر وفود من البلدان المستعمرة والشبه مستعمرة وبعض بلدان الشرق. وفي الحالة التي تخصنا هنا وهي الصين التي لم يتشكل فيها بعد الحزب الشيوعي، فقد حضر عضوين عن الحزب "الاشتراكي الصيني للعمال"، وهما "لاو سيو دشو" و "دشان جون كوغ".

    لم يكن الموقف الروسي خلال النقاشات موحدا، بل كان امتدادا للصراع القائم داخل روسيا السوفياتية، ووسط البلاشفة بين اتجاه لينين واتجاه تروتسكي. على العموم عبر "زينوفيف" عن موقف الاستنكار لأطروحات مؤتمر "برن" حول المستعمرات الألمانية ودور المنظمة الاستعمارية س.د.ن. المقنعة ب "السلام"، وـدعا إلى أن يكون الشعار هو "الموت للاستعمار". كما عبر "تروتسكي" عن موقفه الذي يقول فيه بأن المستعمرات لن تستطيع الوصول إلى استقلال حقيقي إلا اعتمادا على الثورة في المركز (البلدان الرأسمالية). أي أن تحرر شعوب المستعمرات وتحقيق استقلالها هو رهين ويتوقف على الثورة في "المراكز الرأسمالية".

    لن نَذْكُر هنا كل ما جاء به المؤتمر حول الإمبريالية والحروب التي تخوضها ضد الشعوب، بل نُذَكِر فقط بأن المؤتمر أصدر بعض القرارات التي تخص المسألة التي نحن بصددها هنا، ومن بينها قرار ضد مؤتمر "برن" (في 5 مارس)، وإدانة السياسة الاستعمارية للأممية الثانية... والاشتراكيون ــ الديمقراطيون الذين يتبعون البرجوازية في سياستها الاستعمارية، ولمعرفة المزيد بهذا الشأن، يمكن العودة كذلك لأرضية الأممية الشيوعية التي تم التصويت عليها في 4 مارس، وللأطروحات حول الوضع الدولي وسياسات التوافقات حول السياسة الاستعمارية والتنكر لحق الشعوب في تقرير مصيرها التي تم اعتمادها في 6 مارس، وبيان الأممية الشيوعية في 6 مارس.

    أما فيما يخص نشاط اللجنة التنفيذية للأممية بين هذا المؤتمر الأول والمؤتمر الثاني (أي من 6 مارس 1919 إلى 19 يوليوز 1920 وهو تاريخ افتتاح المؤتمر الثاني ب "بتروغراد"، الذي انعقد ب "موسكو" بين 23 يوليوز إلى 7 غشت 1920)، فوثائق الأممية المتوفرة لدينا لا تقدم أي وثيقة أو نقاش حول المسألة خلال دورات اللجنة التنفيذية بين المؤتمرين. اللهم تقرير قدمه "ياليموف" حول الشرق (في غشت 1919) والذي يمكن تلخيص محتواه في أن "الشرق هو المصدر الذي يغذي الإمبريالية التي لن تنهزم إلا إذا تحالف الشرق مع الاشتراكية"، وهناك تقرير قدمه أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الكوري إلى اللجنة التنفيذية في نونبر 1919، وهو يتضمن تاريخ الحزب ونضاله ضد الإمبريالية اليابانية...

    هذا باختصار شديد ما يمكن تسجيله بخصوص "المسألة الكولونيالية" قبل انعقاد المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية، ويمكن الإشارة إلى أن المؤتمر الأول ذاك، كان منصبا بشكل كبير على قضية الثورة البروليتارية بالبلدان الرأسمالية.

    4 ـــ 3 ـــ المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية (موسكو 23 يوليوز ــ 7 غشت 1920، الافتتاح ب"بيتروغراد" في 19 يوليوز 1920)

    لقد تم التعاطي مع "المسألة الوطنية والكولونيالية" في النقطة السابعة من جدول أعمال المؤتمر الثاني، ودار حولها النقاش بتاريخ 26 و 28 يوليوز، حيث حضرت هذه الأشغال وفود من البلدان المستعمرة والشبه مستعمرة وبعض بلدان الشرق.

    وبهذا الصدد، حضر من الصين التي لم يتشكل فيها بعد الحزب الشيوعي الصيني، مؤتمرين إثنين (2) من حزب "العمال"، وهما "لاو هسين شاو" (أو "لاو شي تاو" أو "لاو سي دشاو"، الذي تم تعيينه باللجنة الخاصة بالمهام الأممية)، و "أن إن هاك".

    تشكلت لجنة خاصة ب "المسألة الوطنية والكولونيالية"، وكانت هي اللجنة الخامسة للمؤتمر التي تشكلت بتاريخ 24 يونيو، وكانت تتكون من أعضاء البلدان التالية: بلغاريا، فرنسا، هولندا، ألمانيا، هنغاريا، النمسا، روسيا (كل من لينين و"كامانيف")، الولايات المتحدة الامريكية ("ريد")، اندونيسيا ("مارينغ"، وهو سكرتير هذه اللجنة، وهو الذي شارك في المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني لاحقا)، المكسيك، الهند ("روي")، إنجلترا ("كيلش": الحزب الاشتراكي البريطاني)، إيران، إيرلاندا، إنجلترا ("رامساي")، تركيا، الصين ("لاو")، كوريا.

    سنحاول هنا وبشكل مركز، وضع القارئ في صورة بعض التقارير المقدمة حول "المسألة الكولونيالية" بشكل عام، ومسألة التحالف مع الحركات البرجوازية الوطنية وطبيعة الثورة في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة وغير الرأسمالية، ونبدأ ببعض ما جاء به تقرير لينين في يوم 26 يوليوز 1920، وكذلك "روي" (مؤتمر من الهند) الذي اقترح مجموعة من الأطروحات الإضافية لأطروحات لينين حول "المسألة الوطنية والكولونيالية".

    4 ـــ 3 ـــ 1 ـــ الأفكار الأساسية للتقرير الذي قدمه لينين:

    ــ خاصية الإمبريالية أنها قسمت العالم إلى أمم مستغلة (كسر الغين) وأمم مستغلة (فتح الغين) حيث ثلاثة أرباع العالم تنتمي للمستغلين (فتح الغين).

    ـــ الحرب الإمبريالية أقحمت الشعوب المستعمرة في مجرى التاريخ العالمي، فمن الضروري أن يسعى الشيوعيون إلى تنظيم الحركة السوفييتية في البلدان غير الرأسمالية.

    ــ يشكل الفلاحون الأغلبية العظمى بهذه البلدان.

    ــ وفي إشارة لنقاش داخل اللجنة، حول مسألة دعم الشيوعيين للحركات البرجوازية داخل البلدان المستعمرة و"المتخلفة"، أكد لينين على وجوب التمييز بين الحركات الوطنية الثورية، وبين الحركات الديمقراطية البرجوازية. على ضوء هذا التمييز، تعتبر مسألة التحالف مع الفلاحين أساسية وضرورية.

    ــ التمييز بين البرجوازيين الإصلاحيين المستعدين للتسوية مع الإمبريالية، وبين البرجوازيين الثوريين.

    ـــ على الشيوعيين دعم ومساندة فقط الوطنيين الثوريين شريطة ان لا يعارضوا الشيوعيين وتنظيم الفلاحين المتبعين لخط ثوري.

    ــ أفق خلق سوفييتات الفلاحين في البلدان المستعمرة (بهذا الصدد تم نقاش داخل اللجنة حول إمكانية تجنب المرحلة الرأسمالية في البلدان المستعمرة، والتي يمكن فيها للبروليتاريا الاستيلاء على السلطة بمساعدة البروليتاريا العالمية، وتم التأكيد على إمكانية تجنب المرحلة الرأسمالية وتجاوزها في البلدان المستعمرة و"المتخلفة")

    ــ يجب على الأممية الشيوعية دراسة طرق تحقيق هذا الهدف، والبحث عن الحلول العملية من أجل تطوير الحركة الثورية بالمستعمرات.

    كان هذا بإيجاز التقرير الذي قدمه لينين، ليأتي دور "روي" (من الهند) الذي وبعد ترحيبه بالعرض العميق الذي قامت به الأممية الثالثة بخصوص "المسألة الكولونيالية"، قدم أطروحاته الإضافية التي نضع منها هنا ما نراه مهما ومرتبطا بمضمون هذا الجزء:

    ـــ من المهم جدا تحديد بالضبط علاقة الحركة العمالية العالمية والأممية الثالثة من جهة، والحركات الثورية بالبلدان المضطهدة من طرف الإمبريالية من جهة ثانية.

    ــ تشكل المستعمرات احتياطا كبيرا للرأسمالية الأوروبية، سواء على مستوى استغلال المواد الأولية أو كأسواق، بل كذلك كخزان للقوى واليد العاملة ضد البروليتاريا في المركز (البلدان الرأسمالية).

    ــ الأرباح المستخلصة من المستعمرات تلعب دورا حاسما في الحفاظ على النظام الرأسمالي ببلدان المركز، بحيث يصعب على البروليتاريا ببلدان المركز قلب النظام الرأسمالي إن بقيت البنية الاستعمارية (الهيكل الاستعماري) ثابته (قائما).

    ـــ انهيار السيطرة الاستعمارية، وفي نفس الوقف الثورة البروليتارية في المركز، سيؤدي إلى قلب النظام الرأسمالي بأوروبا. لهذا، على الأممية الشيوعية توسيع نشاطاتها وربط الاتصال مع القوى الثورية بالبلدان المضطهدة التي تناضل من أجل قلب النظام الإمبريالي. من الضروري ولا مفر منه تنسيق نضال البروليتاريا ونضال الشعوب المضطهدة.

    ــ الأممية الشيوعية تمثل الانبثاق المباشر وهيئة الأركان العامة لبروليتاريا العالم كاملا، المنظمة المكافحة التي يجب أن توحد كل القوى الثورية في العالم ضد الإمبريالية، وفي كل البلدان.

    ـــ الإمبريالية منعت التطور الاجتماعي لشعوب الشرق، مع كل ما أنتجه ذلك من عواقب اجتماعية محليا، حول الصناعة الخفيفة والصغيرة، نظام الأرض، تراكم ملكية الأراضي والتأخر في تشكل البروليتاريا.

    ـــ تحتد القطيعة ومن دون توقف بالبلدان المستعمرة بين الحركة الديمقراطية البرجوازية بقيادة البرجوازية من جهة، وبين حركة الفلاحين الفقراء والعمال ضد كل أشكال الاستغلال من جهة ثانية. فالأولى (البرجوازية) تحاول السيطرة على الثانية (الفلاحين الفقراء والعمال)، لهذا على الأممية الشيوعية أن تعارض هذه السيطرة، وأن تدعو وتشجع وتعزز تطوير الوعي الطبقي وسط الجماهير. فالمهمة العاجلة والأساسية هي إنشاء أحزاب شيوعية بالبلدان المستعمرة، من أجل تنظيم الفلاحين والعمال وتوجيههم وقيادتهم إلى بناء جمهورية السوفييتات.

    ـــ مسترشدة ببروليتاريا البلدان المتقدمة، تستطيع جماهير البلدان "المتخلفة" أن تصل إلى الشيوعية من دون المرور بالمرحلة الرأسمالية.

    ــــ القوة الحقيقية بالبلدان "المتخلفة" لا تكمن في المجموعات الوطنية الصغيرة، بل في الأحزاب الجماهيرية الثورية الكبرى. على الأممية الشيوعية أن تشجع وتعزز الثورة في المستعمرات عن طريق عمل هذه الأحزاب الجماهيرية.

    ـــ المرحلة الأولى للثورة بالمستعمرات ليست بالشيوعية: قيادة شيوعية حتى في هذه المرحلة الأولى، تبقى ضرورية من أجل تطوير الوعي الطبقي وتشكيل التجربة الثورية. الإصلاحات ذات الطابع البرجوازي يجب أيضا ان تتحقق تحت القيادة الوحيدة للبروليتاريا وليس البرجوازية. يجب من الضروري الشروع في أسرع وقت ممكن في بناء سوفييتات العمال والفلاحين.

    إلى هنا ننهي ما جاء به "روي" بخصوص نقاش "المسألة الوطنية والكولونيالية"، ونشير إلى أن مؤتمري إيطاليا ("كرازيادي" و "سراتي")، عارضا بشدة مساندة الوطنيين (أي البرجوازيين الوطنيين) حتى وإن كانوا ثوريين، وانتقد "سراتي" أطروحات لينين حول التعاون مع الوطنيين الثوريين في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، حيث برر موقفه بأن ذلك التعاون سيدفع البروليتاريا الأوروبية إلى الانتهازية القومية والتعاون الطبقي. وهو الأمر الذي دفع "روي" إلى تصنيف أفكار مؤتمري إيطاليا بالمعادية للثورة، وأن الذي لا يعتقد بضرورة مساندة ومساعدة شعوب المستعمرات في نضالهم من أجل التحرر لن يكون إلا رجعيا.

    من جهته، أكد "مارينغ"، سكرتير اللجنة، على عدم تعارض أطروحات لينين والأطروحات الإضافية ل "روي"، وأكد على أن القضية المهمة هي علاقات الشيوعيين بالوطنيين في المستعمرات والبلدان المتخلفة، وتأسيس مكتب لأجل الشرق، وتعليم الماركسية لمناضلي البلدان المستعمرة في موسكو.

    بعد هذا النقاش الذي حاولنا عرض الأهم فيه، تم تبني أطروحات لينين بالإجماع في 28 يوليوز، مع امتناع ثلاث أعضاء (ممثلا إيطاليا وممثل إسبانيا)، كما تم تبني الأطروحات الإضافية ل "روي".

    4 ــ 3 ــ 2 ــ أطروحات لينين حول "المسألة الوطنية والكولونيالية" التي تم تبنيها خلال المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية

    فيما يخص البلدان "المتخلفة" (وهي النقطة الحادية عشر)7:

    بخصوص الدول والبلدان الأكثر تخلفا حيث تسود المؤسسات الإقطاعية أو الباترياركا الريفية، فمن الضروري أن نضع في الاعتبار:

    1 ــ ضرورة دعم جميع الأحزاب الشيوعية لحركات التحرر الثورية في هذه البلدان، والذي يجب أن يكون فعليا نشيطا، على أن شكله يحدده، إن وجد، الحزب الشيوعي للبلد.

    واجب الدعم النشيط هذا لهذه الحركة يقع طبيعيا وفي المقام الأول على عمال بلد المركز الذي يتبع له، في إطار العلاقة الاستعمارية والمالية، البلد المعني ("المتخلف”)

    2 ــ ضرورة النضال ضد رجال الدين والعناصر الرجعية القرووسطوية التي لها تأثير بالبلد "المتخلف".

    3 ــ ضرورة محاربة "Panislamisme" (الإسلاموية، وحدة على أساس الانتماء الديني) و "Panasiatisme" (الأسيووية، وحدة على أساس الانتماء الجغرافي)، وكل الحركات المشابهة لها، التي تحاول استخدام الكفاح التحرري ضد الإمبريالية الأوروبية والأمريكية لتقوية الإمبرياليين الترك واليابانيين، والنبلاء وملاك الأراضي الكبار ورجال الدين...

    4 ــ ضرورة دعم وبشكل خاص حركة الفلاحين في البلدان "المتخلفة" ضد ملاك الأراضي الكبار، وضد كل مظاهر وبقايا الإقطاعية، والسعي إلى إعطاء حركة الفلاحين الطابع الأكثر ثورية من خلال تحقيق وحدة متينة للبروليتاريا الشيوعية الأوروبية مع الحركة الفلاحية الثورية لبلدان الشرق، للمستعمرات، وبشكل عام للبلدان "المتخلفة".

    من الضروري، وعلى وجه الخصوص، بذل كل المجهودات لأجل تطبيق المبادئ الأساسية لنظام السوفييتات، في البلدان التي تسود فيها العلاقات الماقبل رأسمالية، وذلك بخلق سوفييتات العمال...

    5 ــ من الضروري محاربة، بحزم وقوة، ميولات ومحاولات التيارات والحركات التحررية الديمقراطية البرجوازية للبلدان "المتخلفة"، في التلبس بألوان الشيوعية وتقديم نفسها كأحزاب شيوعية.

    على الأممية الشيوعية ألا تدعم الحركات الوطنية الديمقراطية البرجوازية للمستعمرات والبلدان "المتخلفة"، إلا بشرط أن تكون عناصر الحزب البروليتاري المستقبلي، الشيوعيون، مجتمعة ومتعلمة بروح مهامها الخاصة، مهام النضال ضد الحركات الديمقراطية البرجوازية لأوطانها الخاصة.

    على الأممية الشيوعية عقد تحالفات مؤقتة مع الديمقراطيين البرجوازيين للبلدان المستعمرة والبلدان "المتخلفة"، لكن من دون اندماج معهم، والحفاظ بشكل حازم على استقلالية حركة البروليتاريا، حتى وإن كانت هذه الأخيرة في شكلها الجنيني.

    6 ــ من الضروري كشف وبلا كلل للجماهير العمالية بكل البلدان، وعلى الخصوص بالبلدان "المتخلفة"، الخداع المنظم للقوى الإمبريالية بمساعدة الطبقات المحظوظة بالدول المضطهدة، الذين يتظاهرون بوجود دول مستقلة سياسيا، إنما هي في الحقيقة تابعة من زاوية نظر اقتصادية ومالية وعسكرية.

    وكمثال صارخ على الخداع الممارس في حق الطبقة العاملة في البلدان الخاضعة لإمبريالية الحلفاء وبرجوازية هذا البلد أو ذاك، يمكننا أن نذكر حالة الصهاينة بفلسطين، حيث تحت ذريعة إنشاء دولة يهودية في هذا البلد الذي فيه عدد اليهود هو عديم الأهمية، سلمت الصهيونية الساكنة الساخطة والمنتفضة من العمال العرب للاستغلال الإنجليزي. ففي الوضع العالمي الراهن، لا خلاص للشعوب الضعيفة والمستعبدة خارج اتحاد الجمهوريات السوفياتية.

    بالإضافة إلى هذه الأطروحات التي تبنتها الأممية الشيوعية الثالثة في مؤتمرها الثاني، قبل تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، تمت إضافة أطروحات "روي" إليها، وأصبحت تعبر عن خط الأممية الشيوعية ونظرتها لنضال الشيوعيين الثوري بالبلدان المستعمرة وشبه المستعمرة... فهذه القرارات المتعلقة بهذه المسألة، شكلت في الواقع الأرضية الإيديولوجية والسياسية لما سيسمى لاحقا ب "الجبهة المتحدة" بين الكيومنتانغ والحزب الشيوعي، وفرضت على الشيوعيين البحث في الأشكال العملية والملموسة لتجسيدها على أرض النضال التحرري والثوري.

    لقد تم التعاطي كذلك مع "المسألة الوطنية والكولونيالية" خارج نقاشات وأطروحات اللجنة الخاصة بها، حيث قدمت العديد من التقارير والأطروحات خلال هذا المؤتمر الثاني، نذكر منها مثلا تقرير لينين حول الوضع الدولي ومهام الأممية الشيوعية (19 يوليوز) وأطروحات حول المهام الأساسية للأممية (19 يوليوز)، والنظام الأساسي للأممية الشيوعية (4 غشت)، وشروط قبول (انخراط) الأحزاب في الأممية الشيوعية (6 غشت)، وبيان "العالم الرأسمالي والأممية الشيوعية" (8 غشت)، وتقرير اللجنة التنفيذية المقدم من طرف "زينوفييف" الذي ذكَّر بندوتين لممثلي الأحزاب الثورية لكل من الصين (التي لم يتشكل فيها بعد الحزب الشيوعي الصيني) وكوريا وأرمينيا وتركيا والهند...حيث تقرر عقد مؤتمر لشعوب الشرق في 15 غشت (نحن هنا في سنة 1920)، وضرورة توسيع العمل في هذه البلدان8.

    5 ـــ المؤتمر الأول لشعوب الشرق (باكو، 1 ــ 8 شتنبر 1920)9

    جرى الافتتاح بتاريخ 31 غشت، وشارك في المؤتمر 1891 مؤتمر عن مجموع البلدان المشاركة، منهم 1273 شيوعي، 55 من النساء، وعن الصين 8 مؤتمرين، ومنهم 266 مؤتمر لم يعلنوا عن انتمائهم الوطني (بلدانهم)10.

    سنحاول تقديم بشكل مركز ما جاء خلال مجريات هذا المؤتمر، من دون عرض جل المداخلات والتقارير، خصوصا تلك التي تعرضت بشكل خاص لهذا البلد أو ذاك، حيث سنكتفي فقط بما جاء بشكل عام حول المسألة التي نحن بصددها هنا.

    خلال الجلسة الأولى في يوم 1 شتنبر تم اختيار "زينوفييف" رئيسا للمؤتمر (وهو رئيس اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية الثالثة) الذي ذكر بأهداف الأممية الشيوعية، وأكد على ضرورة خلق تحالف متين بين البروليتاريا الأوروبية وبين البلدان الأسيوية في النضال ضد الإمبريالية.

    بشكل مركز إذن، وخلال جلسات المؤتمر التي امتدت إلى 8 شتنبر، أشار "زينوفييف" إلى أن المهمة الأساسية لهذا المؤتمر يجب أن تكون هي التوضيح لعمال وفلاحي بلدان الشرق، على وحدة مصالحهم مع الثورة الاشتراكية "الغربية"، ودفعهم إلى النضال المشترك. كما أنه على شعوب الشرق الاستعداد منذ الآن للثورة الاشتراكية، لأنه، يقول "زينوفييف"، من الممكن، بفضل الثورة الروسية، تجنب المرحلة الرأسمالية. فالشيوعيون الأسيويون لا يمكنهم النضال وحدهم، ويجب عليهم أن يهدفوا إلى الوحدة مع القوى الأخرى المناهضة للإمبريالية.

    كما جاء في تقرير "راديك" (روسيا، وهو مؤتمر عن الأممية الشيوعية الثالثة)، حول الوضع الدولي ومهام الجماهير العمالية بالشرق، تأكيده على ضرورة تحالف روسيا والشعوب الثورية بالشرق، حيث أن انتصار العمال والفلاحين بالشرق يعتمد على وحدتهم (تحالفهم) مع روسيا وعلى انخراطهم في النضال ضد الإمبريالية.

    وتحدث "بافلوفيتش" في تقريره، على تضامن الأممية الشيوعية الثالثة مع الحركات الثورية للشعوب المضطهدة، وضرورة فرض الأممية على الأحزاب الشيوعية لكل البلدان، الالتزام بتقديم المساعدة النشيطة للحركات الوطنية الثورية للشعوب المستعمرة والشبه مستعمرة.

    كما ذكر ببعض النتائج التي توصل إليها النقاش خلال المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية، وهي أنه بإمكان شعوب الشرق المتقدمة، وبمساعدة بروليتاريا البلدان المتقدمة، أن تبني نظامها السوفييتي وأن تصل عبر مرحلة وسيطة قصيرة إلى الشيوعية، من دون الحاجة لأن يمر تطورها عبر المرحلة الرأسمالية.

    فصيغة التنظيم السوفييتي، هي قابلة للتطبيق في المجتمع الإقطاعي وشبه الإقطاعي، وأن سوفييتات العمال والفلاحين وسيلة صالحة ليس للبدان الرأسمالية وحسب، وإنما أيضا للبلدان ذات الأنظمة الاجتماعية ما قبل الرأسمالية.

    في تقرير "موسوشيف" (آسيا الوسطى) جاء باختصار ما يلي: يعتمد مصير الثورة الاشتراكية على الحل العقلاني للمسألة "الكولونيالية"، وعلى ضرورة الدراسة والتحليل الجدي للتوزيع الحالي للملكية، ووسائل الإنتاج، والعلاقات الاجتماعية، وكذا التشكل الثقافي في مختلف المناطق. فالحركة الثورية بالشرق يجب أن تكون تنظيما لجماهير الفلاحين ضد بقايا الإقطاعية والإمبريالية الأوروبية. فهذه الحركة الثورية يجب أن تكون بالأساس زراعية، لأن الشرق حيث البروليتاريا الصناعية تكاد تكون معدومة فيه، إلا في بعض الاستثناءات النادرة، تسود فيه الجماهير الفلاحية. إن محور الثورة الاجتماعية بالشرق هو الجماهير الفلاحية، وعدوها هو سلطة الاستبداد البربري المحلية والإمبريالية "الغربية".

    إننا، يقول "موسوشيف"، ننظر إلى الحركة الثورية في الشرق بوصفها عملية حشد وتنظيم للجماهير الفلاحية ضد بقايا الإقطاع وضد الإمبريالية الأوروبية.

    "بيلا كون" (هنغاريا، وهو مؤتمر عن الأممية الشيوعية الثالثة) يقول بأن الثورة في الشرق وفي الغرب عليها بالضرورة أن تتبع ثورة العمال والفلاحين بروسيا. فالثورتان مرتبطتان عضويا، ليس فقط لأنهما موجهتين ضد الإمبريالية، ولكن أيضا لأن وحدتهما في هذا النضال هي شرط ضروري لا غنى عنه للانتصار. فلإخضاع شعوب المستعمرات، تسعى البرجوازية الإمبريالية جاهدة لإرشاء العمال الأوروبيين عن طريق منحهم بعض الفتات من الثروات المستغَلة، وكذلك استخدام الطبقات المحلية المهيمنة في المستعمرات لجعل سياستها في الاستغلال أرخص وأقل دموية. وحده نظام السوفييتات يمكنه منح السلطة للجماهير العاملة: النظام السوفياتي قابل للتطبيق في الظروف الخاصة لأي شعب. فهياكل (بنيات) السوفييتات في المناطق التي يشكل فيها العمال العنصر السائد يمكن ومن الواجب أن تكون مختلفة عنها في المناطق التي يشكل فيها الفلاحون العنصر السائد.

    إن ديكتاتورية البروليتاريا مستحيلة بدون بروليتاريا صناعية، وهذه الأخيرة ضعيفة جدا في الشرق. صحيح أن السلطة السوفييتية في الغرب، ما هي إلا التعبير عن ديكتاتورية البروليتاريا، إلا أنه في الشرق، حيث لا وجود لطبقة عاملة صناعية، وحيث أن سكان الريف هم ضحية الاستغلال، ينبغي على الطبقة الفلاحية أن تكون العنصر القائد للسوفييت (فهي التعبير عن ديكتاتورية الفلاحين الفقراء).

    في الشرق، يجب أن تكون السوفييتات أجهزة (هيكل، أداة) للفلاحين الفقراء. ليس بالضرورة أن يمر الشرق بمرحلة الديمقراطية البرجوازية قبل تحقيق نظام السوفييتات. فبانتصار هذا الأخير، نظام السوفييتات، في الشرق، سيختفي أي فرق بين المستعمرات والمراكز.

    موضوعات "بيلا كون" هذه، وافق عليها المكتب بالإجماع، وتبنى المؤتمر موضوعاته بالإجماع كذلك ومن دون أي اعتراض.

    "ستاشكو" (وفي ترجمات أخرى "ساتشكو")، أكد في تقريره على أن الفلاحين يشكلون الأغلبية العظمى لشعوب بلدان الشرق، وأن تحرير شعوب الشرق هو مشروط ورهين بتحرر الفلاحين، حيث ينبغي على طبقة الفلاحين الثورية الإطاحة بالحكم الاستبدادي والاستيلاء على الحكم ووضعه بيد سوفييتات الفلاحين، ومصادرة أراضي الملاك العقاريين ورجال الدين بكل ما لديهم... وتوزيعها على الفلاحين الفقراء والكف عن دفع الضرائب وتحرير طبقتهم من أي استغلال.

    موضوعات "ستاشكو"، تم تبنيها هي الأخرى من طرف المؤتمر وبإجماع.

    هذا باختصار شديد ما جاء في نقاشات المؤتمرين وما ارتأيناه مرتبطا بموضوعنا هنا. وهو للتأكيد على أن هذه المسألة، حينها، ورغم ما طرحته الأممية الشيوعية الثالثة في مؤتمرها الثاني بهذا الشأن، وهي التي دعت إلى عقد هذا المؤتمر، وأشرفت على رئاسته، كما حضره 104 عضوا من روسيا السوفياتية، قلنا أننا أوردنا كل هذا للتأكيد على أن هذه المسألة كان حولها نقاش هام وكبير وسط الشيوعيين، اختلفت فيه الرؤى في بعض الجوانب (طبيعة الثورة في البلدان المستعمرة والشبه مستعمرة، على ماذا سترتكز الثورة وما هي قواها، إمكانية تجنب المرحلة الرأسمالية، أهناك ضرورة للثورة الديمقراطية البرجوازية أم من الإمكان تجاوزها، دور الفلاحين في الثورة... )، وتوحدت فيه في جوانب أخرى (وحدة النضال ضد الإمبريالية، تحالف القوى الثورية ببلدان الشرق مع روسيا السوفياتية، دعم الأحزاب الشيوعية النشيط للحركات الثورية بالبلدان المستعمرة والشبه المستعمرة...)

    انتهى هذا المؤتمر بخلق هيئة تنفيذية دائمة تتكون من 48 عضو (35 منهم شيوعيون)، وقدمت خلاله بعض الأطروحات التي تم تبنيها بالإجماع:

    أطروحة حول سلطة السوفييتات بالشرق (قدمها "بيلا كون"):

    ـــ انتفاضة شعوب الشرق ضد الاضطهاد الخارجي والداخلي تطرح على جدول الأعمال تأسيس نظام حكم جديد في كل بلدان الشرق.

    ــــ الإصلاحات التي حدثت ببلدان الشرق الأوسط ما هي إلا ديمقراطية شكلية، ولم تغير الوضع في العمق.

    ــــ لا يجب أن تهدف ثورة الجماهير العاملة بالشرق إلى طرد المضطهدين الأجانب فقط، بل و يجب كذلك بذل كل الجهود الممكنة لتحقيق ثورة زراعية عظيمة.

    ــــ تمثل سلطة السوفييتات النظام الوحيد المناسب للجماهير العاملة حين تبعد العناصر (الفئات) المحظوظة عن السلطة.

    ــــ أثبتت التجربة العملية للطبقة الفلاحية بروسيا السوفياتية، سيبيريا… قدرة الفلاحين على إدارة شؤونهم بأنفسهم (إنشاء السوفييتات الفلاحية).

    أطروحة حول المسألة الزراعية:

    ـــ طبقة الفلاحين لشعوب بلدان الشرق هي الطبقة الوحيدة المنتجة، وهي الأكثر اضطهادا واستغلالا.

    ــــ أسباب اضطهاد واستغلال الفلاحين متعددة (العادات الإقطاعية، الملكية الإقطاعية، الضرائب…)

    ــــ على الفلاحين، لأجل التحرر، إسقاط الرأسماليين الأجانب والمستبدين المحليين والاستيلاء على السلطة عن طريق تشكيل السوفييتات...

    لقد جئنا على عرض كل هذا، اعتمادا على الوثائق التاريخية "الأصلية" التي صاغتها وأصدرتها الأممية الشيوعية الثالثة، كي يتعرف المناضلون والقراء، عن قرب، على مجمل أطروحات ومنظور الشيوعيين للنضال الثوري بالمستعمرات وشبه المستعمرات وغيرها من البلدان التي لم تسقط (بعد) في هذه الفترة تحت سلطة الاستعمار ولم تتطور في الآن ذاته إلى بلدان رأسمالية. وكي نوضح بالخصوص، أن طريق الثورة بهذه البلدان لم يكن معدا أو محددا سلفا، وأن ثورة البروليتاريا وإقامة ديكتاتوريتها التي وضعت على رأس مهام الأحزاب والمنظمات الشيوعية في البلدان الرأسمالية، لم تكن هي مركز جدول الأعمال الخاص بالبلدان المستعمرة وشبه المستعمرة في نفس الفترة، بل كانت قضية الثورة بهذه البلدان محط جدال ونقاش، وسط الأممية الشيوعية، ووسط المجموعات والأحزاب الشيوعية بتلك البلدان، حيث كان المطروح هو كيف الوصول إلى تحقيق "سلطة السوفييتات" (سلطة المجالس) في بلدان غالبيتها العظمى من الفلاحين وترزح عموما تحت سلطة الاستبداد الإقطاعي والرأسمال الإمبريالي، وبها في أقصى الحالات بروليتارية ناشئة، ضعيفة وقليلة العدد، وفئات برجوازية تعادي الاستعمار وتطمح إلى الاستقلال والتحرر الوطني.

    على العموم، تأرجحت مجمل الأطروحات بين من يدعو إلى إمكانية تجاوز المرحلة الرأسمالية والمرور مباشرة إلى سلطة المجالس وبناء الاشتراكية، وذلك بالاعتماد على حركة الفلاحين محليا، وخارجيا على البروليتاريا الشيوعية الأوروبية و روسيا السوفياتية.

    وبين من يدعو إلى عقد تحالفات مؤقتة ومشروطة ومن دون اندماج مع الحركات المعادية للإمبريالية والاستبداد المحلي، والمقصود هنا هي الحركات البرجوازية الثورية، وفي نفس الوقت الحفاظ على استقلالية حركة البروليتاريا حتى وهي في شكلها الجنيني، وإعطاء حركة الفلاحين طابعا أكثر ثورية، والعمل على بناء سوفييتات العمال والفلاحين، (أنظر الأطروحة اللينينية بهذا الشأن)

    كما أن هناك من دعا إلى عدم التعامل مع أي من الحركات البرجوازية الثورية، والاعتماد كليا وحصرا على البروليتاريا الناشئة والضعيفة والقليلة العدد، ومباشرة مهام الثورة البروليتارية وبناء الاشتراكية. وبالمقابل، هناك من دعا إلى أن طبيعة الثورة بهذه البلدان هي "ثورة فلاحية"، تقودها طبقة الفلاحين الفقراء، وأن على هذه الأخيرة تقع مهام بناء سلطة السوفييتات.

    كانت هذه وبتركيز شديد، مجمل الأطروحات التي تبلورت في هذه الفترة، وهي كما نرى، فترة سبقت بقليل سنة تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، الذي، كما عرضنا في بداية هذه الحلقة، توجه منذ انطلاقته إلى العمل مباشرة وسط البروليتارية الحضرية الناشئة، وعمل على تأسيس "سكرتارية منظمات العمال الصينيين" بقيادة "شانغ كيو تاو"، عضو القيادة المركزية للحزب والمسؤول فيها عن التنظيم، وأحد زعماء خط "سياسة الباب المسدود" وآنية "الثورة الاشتراكية". كما عمل الحزب الشيوعي الصيني في هذه الفترة، على خوض سلسلة من النضالات العمالية وتوحيد العديد من النقابات العمالية وتوسيع قواعدها، وعقد مؤتمرها الأول... وكما أشرنا كذلك، إلى أن الحزب الشيوعي الصيني، عرف خلال انطلاقته هذه، بروز وجهتي نظر رفضتها الأغلبية المؤتمرة، وجهة نظر أولى أطلق عليها ب "نظرية الثورتين المنفصلتين"، وصاحبها هو "شن تو سيو" الكاتب العام للحزب، وكان يدعمه داخل القيادة المركزية للحزب، أحد زعماء هذا التيار وهو "لي هان شون"، وقد أطلق على هذا الخط ب "أنصار الماركسية الشرعية". ووجهة نظر ثانية عرفت بخط "سياسة الباب المسدود"، أي رفض أي تعامل سياسي مع الحركات البرجوازية الثورية، والقصد هنا حزب الكيومنتانغ، والاعتماد كليا وفقط على البروليتاريا لمباشرة مهام الثورة الاشتراكية كمهمة آنية، وكان زعماء هذا الخط في القيادة المركزية للحزب هما "شانغ كيو تاو" (أو "زانغ كوطاو") و "ليو شن شينغ".

    في حين كان الخط العام للحزب في هذه الفترة التي باشر فيها الحزب العمل والنضال وسط البروليتاريا الناشئة ولم يمنح فيها للعمل وسط الفلاحين نفس الأهمية والانخراط، يدعو بخصوص سياسة التعاون مع الحركات البرجوازية الثورية، إلى عدم رفض التعامل السياسي مع حزب الكيومنتانغ، لكن مع عدم التهاون في فضحه ونقد تذبذبه وتعرية سياساته التوافقية. (يتبع بحلقة ثالثة)

    حمو العبيوي

    21 ماي 2019

    الهوامش:

    1 ــ تجمع مجموعة من المصادر التاريخية إلى حضور مشارك ثالث عشر لهذا المؤتمر، وهو "مارينغ"، الاسم المستعار ل "هانك سنيفليت"، هولندي مناضل بالمستعمرة الهولندية بشرق اسيا ــ الهند الشرقية الهولندية ــ اندونيسيا حاليا، وهو من بين المؤسسين للحزب الشيوعي بها. وقد حضر كمبعوث للكومنترن إلى الصين للإشراف على بناء الحزب الشيوعي بها، بسبب خبرته وتجربته السياسية بتلك المستعمرة الاسيوية.

    2 ــ في هذا الوقت الذي تنظم فيه الحزب الشيوعي داخل الصين، قامت بعض المجموعات الشيوعية خارج الصين بتنظيم نفسها، خصوصا باليابان وفرنسا، وهي مشكلة في غالبيتها من طلبة وعمال. تاريخيا، لقد هاجر ما يقارب من 150 ألف صيني إلى فرنسا ابتداء من سنة 1917 على إثر اتفاقية بين البلدين، وكان ما يقارب من 400 طالب صيني أغلبهم من منطقة هونان، ومنهم من سيصبح لاحقا مسؤولا في الحزب الشيوعي الصيني وفي الدولة كالتحريفي "دينغ كسياو بينغ" (كانت له علاقات بالحزب الشيوعي الفرنسي حين كان طالبا فيها) وقبله "هو شانغ كونغ" الذي كان وزيرا للصناعة الثقيلة والذي ستقتلعه الثورة الثقافية. أسس هؤلاء في البداية جمعية للمساعدة وسط مجموعة العمال والطلبة، ليتحول اسمها سنة 1921 إلى جمعية "الطلبة والعمال"، وستشكل بعدها مجموعة من تلك الجمعية في فبراير 1921 "مجموعة الشبيبة الاشتراكية الصينية"، حيث ستتحول بعد يوليوز 1921 وبتوصيات من الحزب الشيوعي الصيني إلى "فرع الحزب الشيوعي الصيني بفرنسا"، كما كانت هناك فروع أخرى بألمانيا وبلجيكا، وكانت كلها تشكل الفرع الأوروبي للحزب الشيوعي الصيني ذات المقر بألمانيا.

    3 ــ يتم غالبا وصف هؤلاء العسكريين بأمراء الحرب الشماليين، لأن حزب الكيومنتانغ والحزب الشيوعي كانا متمركزين بالأساس في المناطق الجنوبية، في حين كانت المناطق الشمالية وبعض المناطق الوسطية والشرقية هي تحت سلطة أمراء الحرب.

    4 ــ كان لحزب الكيومنتانغ امتدادا واسعا وسط جماهير الصين من مختلف الفئات الاجتماعية، فقد كان القوة السياسية الوحيدة آنذاك، الأكثر جماهيرية، وإيدولوجيته الوطنية المناهضة للإمبريالية ومن أجل الاستقلال، والقضاء على أمراء الحرب وتوحيد البلاد كانت لها الهيمنة وأصبحت مركز اهتمام الجماهير العمالية والفلاحية والحرفيين..

    5 ــ حول هذه الوضعية الجديدة والمختلفة، فقد تم اعتبار الصين بلدا شبه مستعمرا، إلى جانب وجود وضعية البلدان المستعمَرة التي كانت هي الأخرى تتطلب حينها تحليلا ماديا تاريخيا وملموسا لأجل طرح نظرية الثورة بها على أسس النظرية الماركسية للثورة. حيث تم الانتباه بهذا الصدد إلى الفارق بين تلك الدول المستعمَرة وشبه المستعمَرة مع البلدان الرأسمالية من جهة، ومن جهة ثانية مع البلدان التي لم تعرف أي شكل من أشكال الاستعمار، ولم تعرف كذلك تطورا نحو نظام الرأسمالية. وهناك كذلك البلدان التي لم تعرف استعمارا ولم تتطور نحو نظام الرأسمالية، لكن بالمقابل كان الرأسمال الأجنبي (الإمبريالي) حاضرا في نشاطها الاقتصادي، وبدأ يعمل على تحويل بنية تلك البلدان الاقتصادية والاجتماعية. فروسيا القيصرية مثلا، أي قبل أن يحطم البلاشفة نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لم تكن دولة مستعمَرة (بفتح الميم)، ولا هي كانت شبه مستعمَرة أو بها "مناطق النفوذ" الإمبريالي، ولا هي حينها كانت دولة رأسمالية متقدمة، بل كانت هي نفسها دولة مستعمِرة (بكسر الميم) حيث كانت مثلا تتحكم في بعض المناطق الشمالية من الصين (تمت إعادتها سنة 1919)، وفي نفس الوقت كانت قد عرفت تغلغلا للرأسمال الأجنبي (الامبريالي) بها، وهي في هذا الإطار، لم يكن مطروحا على قواها الثورية ما كان مطروحا حينها على القوى الثورية بالبلدان الرأسمالية، وفي هذا الإطار كذلك كان قد برز الصراع إجمالا بين ثلاث خطوط نظرية وسياسية، خط المناشفة: خط الثورة البرجوازية بقيادة برجوازية لبناء الرأسمالية ثم تليها الثورة الاشتراكية بقيادة بروليتارية. والتروتسكية التي طرحت موقف الثورة الاشتراكية كمهمة آنية. ثم خط البلاشفة: خط الثورة المتواصلة عبر مراحل التي بلورها لينين، والتي لن نجد تعبيرا مركزا لها أكثر مما كتبه لينين نفسه حولها، حيث يقول بهذا الصدد:

    " على رأس الشعب بكامله، وعلى الخصوص الفلاحين، من أجل الحرية الكاملة، ومن أجل ثورة ديمقراطية متسقة، من أجل الجمهورية.

    على رأس العمال وكل المستغَلين من أجل الاشتراكية. هذا ما يجب أن تكون عليه عمليا سياسة البروليتاريا الثورية، هذا هو جدول أعمال الطبقة التي يجب أن تسيطر وتحدد حلول كل المشاكل التكتيكية، كل الإجراءات العملية للحزب خلال الثورة".

    مرة ثانية، وبوضوح لا يحتمل أو يقبل أي لف أو دوران: "على البروليتاريا أن تقوم بالثورة الديمقراطية حتى النهاية، بالتحالف مع الفلاحين لسحق بالقوة مقاومة الأوتوقراطية وشل تذبذب البرجوازية.

    على البروليتاريا أن تقوم بالثورة الاشتراكية بالتحالف مع العناصر الشبه البروليتاريا من الشعب لتحطيم بالقوة مقاومة البرجوازية وشل تذبذب الفلاحين والبرجوازية الصغيرة. هذه هي مهام البروليتاريا"، لينين.

    6 ــ هذا المصطلح تم استعماله في الكتابات التاريخية "الغربية"، في حين أن المصطلح الصيني الرسمي هو "بايفا" Peifa ويعني حرفيا "عقوبة الشمال"، في إشارة إلى الطابع الخسيس للسلطات العسكرية المضاد "للمشروع الوطني" وقائده حينذاك "سن يات سن".

    7 ــ نضع هنا بشكل ملخص ومركز لبعض ما جاء في هذه الأطروحات من غير النقطة الحادية عشرة التي طرحناها في النص أعلاه: ـ

    أطروحة البرجوازية حول المساواة هي مجردة، فقط القضاء على الطبقات يمكن أن ينتج مساواة فعلية وحقيقية.

    ـــ على الحزب الشيوعي ألا يقدم أطروحات مجردة حول المسألة الوطنية، بل عليه أن يبادر بتحليل ملموس والعمل على التمييز بين الأمم المضطهدة والمستغلة، وبين الأمم التي تضطهد وتستغل. اضطهاد أغلبية البشرية من طرف أقلية هي خاصية المرحلة الامبريالية.

    ـــ الحرب الامبريالية عرت وأزالت الغبار عن العبارات الفارغة للبرجوازية حول الأمم، والتحرر الوطني وتقرير المصير

    ــــ أساس سياسة الأممية الشيوعية حول "المسألة الوطنية والكولونيالية"، يجب أن يكون هو تقارب ووحدة البروليتاريا وعمال كل الأمم وكل البلدان من أجل النضال الثوري المشترك لإسقاط ملاك الأراضي والبرجوازية. فقط وحدة العمل ستؤدي إلى القضاء على الاضطهاد القومي.

    ـــ الجمهورية السوفياتية يجب أن تكون مركز تجمع الحركة العمالية لكل البلدان، وكذلك جميع حركات تحرر الشعوب المضطهدة. فهذه الأخيرة لا خلاص لها خارج التحالف مع البروليتاريا وانتصار السلطة السوفياتية على الإمبريالية العالمية.

    ــــ سياسة الأممية الشيوعية يجب أن تهدف إلى تشكيل تحالف متين لجميع حركات التحرر الوطني مع الجمهورية السوفياتية. أشكال هذا التحالف سيتم تحديده حسب مستوى التطور في كل بلد.

    8 ــ خلال جلسة 6 غشت، تم فرز أربعة أعضاء ممثلين للشعوب المستعمَرة باللجنة التنفيذية للأممية. كما تم تقديم تقارير لفروع الأممية منها خمسة تقارير تخص البلدان المستعمَرة، جاء من ضمنها تقريرا قدم باسم الصين.

    9 ــ انظر سجل التقرير السينوغرافي الصادر باسم الأممية الشيوعية، "بتروغراد"، 1921. وبالإمكان العودة إلى إصدارات ماسبيرو، 1971، حول هذا المؤتمر.

    10 ــ يقول "زينوفييف" في تقريره الذي قدمه للجنة التنفيذية للأممية الشيوعية الثالثة بهذا الخصوص: "تشكل مؤتمر باكو من الشيوعيين، ومن فئة اللاحزبيين (لا انتماء حزبي لها) وهي الفئة الأكثر عددا و تنقسم إلى فئتين: واحدة هي فعليا تتشكل من لاحزبيين، والتي يجب أن نضمنها ممثلي الفلاحين وأشباه بروليتاريا المدن ، والأخرى تتشكل من أناس يسمون أنفسهم بلاحزبيين، ولكنهم ينتمون فعلا لأحزاب برجوازية".