Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

  • مدخل لدراسة علم الاقتصاد السياسي ــ الحلقة الاولى

     

    الحلقة الأولى

     

    دور النشاط العملي في اشباع الحاجيات الإنسانية انطلاقا من المصادر الطبيعية:

    تتوخى هذه الورقة تقديم عناصر توضيحية كمدخل عام لدراسة الاقتصاد السياسي والامساك تدريجيا بأدوات التحليل الاقتصادي، وستتناول فقرة أولى دور النشاط العملي في اشباع الحاجات الإنسانية مباشرة من المصادر الطبيعية ومختلف العلاقات الناشئة عن هذا النشاط. ثم في فقرة ثانية سنتناول سيرورة مفهوم علم الاقتصاد السياسي ثم في فقرة ثالثة نتطرق لعدد من المضامين التي يتناولها علم الاقتصاد السياسي.

    وتشكل هذه الورقة مقدمة لعدد من الأوراق التالية الناقدة للاقتصاد السياسي البرجوازي المهيمن محليا وعالميا.

    منذ ظهور الانسان على وجه الأرض منذ أزيد من مليوني سنة وهو يزاول بالضرورة أنشطة لتدبير وسائل بقائه وتلبية حاجياته الأساسية من مأكل وملبس ومأوى. ومن خلال تنوع هذا النشاط في تدبير شروط بقائه على قيد الحياة تطورت الحاجيات الانسانية كما تطورت بالموازاة مع ذلك مسيرة تطور العقل البشري بحسب النشاط العملي الذي يقوم به، مستعملا في ذلك مختلف عضلات يده وجسده وصوته وحواسه الخمس[1].

    1 ـــ حاجيات الانسان ووسائل اشباعها:

    وانطلاقا من هذا النشاط العملي والذهني بدأت تتكون لديه تدريجيا معارف عملية وأخرى نظريةومن خلال هذا التمييز تحددت حاجيات الانسان ووسائل اشباعها. فهو يحتاج الى مواد حياتية بيولوجية كالمأكل والملبس والمأوى حيث لا بد منها للمحافظة على حياته. ثم ظهرت لديه حاجيات أخرى نشأت نتيجة العيش المشترك بين الناس تقررها مجموعة من العوامل المعقدة التي تشكل ثقافة مجتمع ما. كما أن حاجيات الانسان قد تكون فردية أو جماعية، وتتمثل الحاجات الجماعية في الأمن وبعض أنواع التسلية ... الخ، وعلى الرغم من أن الحاجات الإنسانية مستمدة أصلا من الضرورة الحياتية، فإنها ناتجة عن وجود المجتمع ومتكيفة حسب مرحلة التطور التي بلغها ذلك المجتمع.

    وقد سميت الأشياء المادية الضرورية التي يحتاجها الانسان في حياته اليومية، كالخبز والماء والفحم والملابس والكتب والارصفة والاعمدة الكهربائية والسيارات والمدارس، بالسلع. فالسلع عبارة عن وسائل مادية لإشباع الحاجات الإنسانية، وتستمد هذه الوسائل من الطبيعة. وتعتبر بعض هذه الوسائل كالهواء الضروري للتنفس والتي لا تقتضي نشاطا إنسانيا لإعداده للاستعمال البشري بمثابة "سلع حرة". ونظرا لكون هذه الوسائل لا تتضمن نشاطا إنسانيا، فإن الاقتصاد السياسي لا يعتني بها. لكن على العموم فإن معظم وسائل إشباع الحاجات البشرية مستمدة من الطبيعة عن طريق استخراجها وتحضيرها، أو عن طريق تغيير خصائصها الطبيعية، والكيماوية، والحياتية، أو عن طريق نقلها عبر المكان، والمحافظة عليها عبر الزمان.

    2 ـــ الإنتاج والعمل:

    ولتحويل الموارد الطبيعية الخام الى سلع يبدل الانسان نشاطا خاصا يسمى بالإنتاج، وتدعى السلع الناجمة عن هذا النشاط بالمنتوجات. فحينما ننظر الى الأشياء المادية بوصفها وسائل لإشباع الحاجات الإنسانية فنسميها سلعا، أما حينما ننظر اليها باعتبارها ناجمة عن النشاط الإنتاجي الإنساني، فنسميها منتوجات.

    فالإنتاج عبارة عن نشاط انساني يتم من خلاله تكييف الموارد الطبيعية حسب الحاجات البشرية. وهو نشاط واع وهادف، وهذا الوعي والهدف هما اللدان يميزان الانسان عن الحيوان حيث يستخدم هذا الأخير الطبيعة بشكل مباشر دون تكييف ودون وعي أو هدف. ويتشكل الإنتاج من نشاطات متنوعة تسمى بالعمل. وعن طريق العمل يزاول الانسان تأثيره على الطبيعة فيحولها حسب حاجته. ولكن الانسان في الوقت ذاته، يحول نفسه بالعمل الذي يقوم به، فهو نفسه يتقولب كلما كسب وطور قابليته على انجاز العمليات المختلفة.

    يقول ماركس: "إن العمل في الأساس، عملية دائمة بين الانسان والطبيعة، عملية يقوم الانسان فيها، عن طريق نشاطه الخاص، بتدشين التفاعل المادي بينه وبين الطبيعة وتنظيمه والهيمنة عليه. فإنه يجابه الطبيعة باعتباره أحد قواها ... وعن طريق تأثير الانسان في العالم الخارجي وتغييره له، يقوم الانسان في الوقت نفسه بتغيير طبيعته الخاصة. فإنه يطور القوى الكامنة في داخله، ويخضع هذه القوى الداخلية لسيطرته الخاصة"[2].

    3 ـــ وسائل الإنتاج ووسائل الاستهلاك:

    إذا كان الإنتاج السلعي يقوم على العمل، فإن لهذا الأخير وسائله أيضا، فالإنسان يستخدم في عمله أشياء مادية مختلفة، كالمحراث، ودواب الحراثة، والماكنات، والسيارات، والبواخر، والفولاذ، والفوسفاط ... الخ. ويمكن تقسيم وسائل الإنتاج إلى مجموعتين. ويتم تحضير المجموعة الأولى من وسائل الإنتاج بواسطة العمل البشري. ويشمل هذا الصنف الموارد الطبيعية كالتربة، والحيوانات البرية، والمعادن، إلى جانب المواد الخام والمنتجات شبه المصنوعة كالقطن والمكائن غير الكاملة الصنع،وهذه الأشياء تدعى مواد العمل. أما المجموعة الثانية، فتتكون من ذلك القسم من وسائل الإنتاج التي تستخدم في تحضير مواد العمل. وتنضوي تحت هذا العنوان الأشياء التي تصنع لغرض انجاز عمليات معينة كالمطارق، والمناشير، والمكائن، والجهاز الكيماوي، وهذه تدعى بالأدوات. والأشياء الأخرى، التي هي على الرغم من عدم كونها في ذاتها أدوات، كالمباني والمخازن والموانئ، والطرق، والأرض، فإنها تدخل ضمن هذه المجموعة أيضا. وهذه جميعها تدعى وسائل العمل.

    وعلى الرغم من أن وسائل الإنتاج لا تقوم مباشرة باشباع الحاجات البشرية، فإنها مع ذلك، لا غنى عنها لإنتاج تلك الأشياء التي تشبع الحاجات البشرية مباشرة، ولهذا السبب ندخلها في صنف السلع. ولكي نفرق بين وسائل الإنتاج والسلع الأخرى، نسمي الأولى بالسلع الإنتاجية، والثانية بالسلع الاستهلاكية. ويستعمل أحيانا الاصطلاحان الواضحان: السلع غير المباشرة والسلع المباشرة لنفس الغرض. ولا يكون التمييز بين السلع الإنتاجية والسلع الاستهلاكية بحسب خصائصها الطبيعية، لأن الشيء نفسه، كالفحم مثلا، قد يكون وسيلة من وسائل الإنتاج أو الاستهلاك. فالتمييز بينهما إنما يكون من حيث الوظيفة، لأنه يعتمد على طريقة استعمال السلعة في إشباع الحاجات البشرية.

    ويدعى النشاط الذي يزاوله الانسان لإشباع حاجاته بالاستهلاك. وقد تنفذ السلع الاستهلاكية، الغذاء، في عملية الاستهلاك مرة واحدة، أو أنها، كالملابس، تبلى خلال فترة من الزمن. ولا تكون السلع الإنتاجية، أو وسائل الإنتاج، مواد للاستهلاك. ولكنها تستهلك في عملية الإنتاج مرة واحدة كالمواد الخام، أو خلال فترة من الزمن، كالمكائن، وهذه العملية تسمى أحيانا بالاستهلاك الإنتاجي[3]. ولكن هذا ليس بالاستهلاك بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنه من الأفضل التمييز بين الاستنفاذ المباشر والاستنفاد التدريجي لوسائل الإنتاج.

    4 ـــ الطبيعة الاجتماعية للإنتاج والتوزيع:

    إن إنتاج الوسائل المادية لإشباع الحاجات البشرية إنتاج اجتماعي دائما. فروبنسون كروزو الذي اشتغل بالإنتاج بمعزل عن المجتمع البشري شخصية خيالية لا مثيل لها في الواقع. فقد كتب ماركس، وهو أول من انبرى إلى تحليل الخاصية الاجتماعية تحليلا مستقيما، "طبيعي أن يمثل الإنتاج المادي من قبل الافراد نقطة الانطلاق ... فكلما رجعنا بالتاريخ إلى الوراء، عظم اعتماد الفرد، وعليه الفرد المنتج، على كل أكبر لا يكون هو الا جزءا منه ... فكلما تكلمنا عن الإنتاج، إذن، يدور بخلدنا الإنتاج في مرحلة معينة من التطور الاجتماعي، أو الإنتاج من قبل الأفراد الاجتماعيين"[4].

    5 ـــ العمل الإنتاجي واللاإنتاجي (الخدمات):

    يعتبر توزيع المنتجات نشاطا بشريا يتطلب إنجاز عمليات واعية وهادفة؛ فنشاط البائع في المخزن، أو نشاط موزع المنتجات العينية، عمل. وهنالك نشاطات بشرية أو أنواع من العمل، كنشاطات الفنان أو المعلم، التي تقوم بإشباع الحاجات البشرية إشباعا مباشرا من دون إنتاج أشياء مادية أو سلع. فلا العمل المتضمن في التوزيع ولا النشاطات التي تشبع الحاجات البشرية مباشرة يؤديان إلى إنتاج أشياء مادية. ولهذا السبب اصطلح على تسمية هذه النشاطات بالعمل اللاإنتاجي تمييزا لها عن العمل الإنتاجي. وتدعى جميع النشاطات المتصلة بإشباع الحاجات البشرية إشباعا مباشرا أو غير مباشر والتي لا تفضي إلى إنتاج السلع بصورة مباشرة بالخدمات. ولغرض الاختصار، سوف نستعمل كلمة العمل بمعنى العمل الإنتاجي فقط، أي العمل المستخدم لإنتاج الأشياء المادية، ونستعمل كلمة الخدمات لتشمل جميع العمليات الأخرى المتصلة بإشباع الحاجات البشرية.

    ويقتضي توفير الخدمات تهيؤ أشياء مادية معينة كأبنية المدارس، والأفلام، والآلات الموسيقية وغيرها. وهذه تسمى بوسائل تأدية الخدمات. ومما له أهمية خاصة بينها وسائل التوزيع على شاكلة التسهيلات كأثاث المخازن، والرفوف، والمكائن الحسابية.

    ولما كان أداء الخدمات يشبع الحاجات البشرية من دون إنتاج أشياء مادية، فلا بد من تصنيف وسائل تأدية الخدمات في عداد السلع الاستهلاكية. لأن هذه الوسائل تستعمل وتستنفد في عملية إشباع الحاجات البشرية.

    6 ـــ مركزية العمل في النشاط الاقتصادي:

    تحتل المصطلحات الاقتصادية في حياتنا اليومية حيزا واسعا، فكافة الأشخاص حتى من لم تتسن له دراسة الاقتصاد السياسي، مطلع بمقتضى ممارسته الحياتية على الكثير من الاصطلاحات الاقتصادية مثل العمل والنقد والبضاعة والسعر والسوق.. الخ. وليس ثمة جريدة واحدة لا تجد فيها كلمات مثل: الإنتاج والرأسمال والأجرة والاستعمار والرأسمالية والاشتراكية... الخ. وعلى هذا النحو فإن كل شخص يعرف لدرجة ما المفاهيم الاقتصادية العديدة. ولكن وكما أن الأحجار المبعثرة ليست بالبيت بعد. كذلك فإن الاطلاع على بعض المفاهيم الاقتصادية لا يعني بعد معرفة علم الاقتصاد السياسي.

    في كل وقت من أوقات اليوم أو الشهر أو السنة نجد أن هناك عشرات الملايين من سكان المعمورة يعملون. فمثلا، عندما يستيقظ الناس في لندن لتوهم ويستعدون للذهاب إلى العمل، تكون النوبة الأولى من العمال في طوكيو قد أنهت عملها وذهبت الى البيت. ولكن حتى في الهجيع الأخير من الليل في أي بلد كان تعمل مصانع التعدين والمصانع الكيماوية والمخابز والمستشفيات والمطارات ومحطات القطارات، ويسهر رجال المطافئ وعمال الكهرباء. ويمكن القول بلا مبالغة أنه ليس ثمة ثانية واحدة لا يعمل فيها سكان كوكبنا. ولذلك لا يمكن للمجتمع أن يكف عن العمل كما لا يمكن للإنسان أن يكف عن التنفس، من هنا يحتل العمل المكانة المركزية في أي نشاط اقتصادي.

    ويتلخص الأمر في أن تلك المواد الضرورية للحياة (الغذاء والكساء والسكن والخ.) لا توجد في الطبيعة بشكل جاهز كقاعدة، ومهما تكن الطبيعة سخية في بعض مناطق العالم، إلا أنها لا تقدم بحد ذاتها كل ما هو ضروري لحياة الإنسان، وإذا افترضنا أن الناس كفوا عن العمل فجأة فستنفذ بعد مضي بعض الوقت احتياطات الغذاء والكساء وستفرغ رفوف المخازن والبيوت من محتوياتها وسيصبح وجود الناس بحد ذاته محفوفا بالخطر، وبذلك فإن العمل هو الشرط الأول والأساسي لبقاء الانسان.

    فماهي مكانة عملية العمل بالذات؟ من المعروف جيدا الحكم الماركسي عن أن "العمل قد خلق الانسان"[5]. وبفضل العمل انفصل الانسان عن عالم الحيوان وأفلح في التحكم بقوى الطبيعة ووضعها في خدمة مصالحه. وفي سيرورة النشاط العملي تمكن الانسان من تطوير قدراته ومعارفه، وهذا ما يعني بمجموعه مواصلة تقدم التطور الاجتماعي.

    قد يعلق البعض أننا نبالغ في اهتمامنا بمفهوم العمل؟ فالغالبية العظمى من الناس تعرف ما هو العمل من ممارستهم اليومية. ولكن مفهوم العمل من وجهة نظر علم الاقتصاد السياسي لا يقتصر على كونه هاما جدا فحسب، بل ومعقدا بما فيه الكفاية أيضا. إن العمل هو نشاط هادف وواع للناس يغيرون بواسطته مواد الطبيعة ويكيفونها لتلبية حاجاتهم المادية والروحية.

    وتتضمن عملية العمل ثلاثة جوانب أساسية هي كل من النشاط الهادف للإنسان، أي العمل ذاته، ثم موضوع العمل، وأخيرا وسائل العمل. وتجدر الإشارة بصورة خاصة على أن العقل والوعي يسهمان في النشاط العملي الهادف للإنسان.

    إن العمل هو نشاط واع للإنسان وفي الوقت ذاته نشاط يكيف بواسطته الطبيعة لحاجاته، أما الحيوانات فهي تستهلك ما تجده جاهزا أمامها في الطبيعة. ويتجه عمل الانسان إلى مواضيع مختلفة جدا، فالصياد يصطاد السمك والفلاح يحرث الأرض من أجل تنمية محصول الفول أو الأرز أو القطن، وعامل الاستخراج يهبط الى المنجم من أجل استخراج فلزات الحديد، وإن ما يتجه إليه نشاط الانسان (في مثالنا: السمك والأرض والفول والأرز والقطن وفلزات الحديد) هو موضوع العمل.

    ولكن لا يمكن بالأيدي وحدها لا اصطياد السمك ولا حراثة الأرض ولا استخراج الفلزات. ولذلك فالإنسان يستخدم وسائل العمل، أي الأشياء التي تساعده في استخراج وزراعة ومعالجة وإنتاج الخيرات المادية.

    وتتضمن وسائل العمل بالدرجة الأولى أدوات العمل (شبكة الصيد ومحراث الفلاح والمعول أو مطرقة التعدين والمخرطة وإلخ.) التي تساعد الانسان على استخدام أو تغيير مواضيع العمل، وأدوات العمل هي بمثابة استمرار لأعضاء الانسان الطبيعية. ليديه ورجليه. وإلى جانب أدوات العمل تتضمن وسائل العمل أيضا كافة الشروط الأخرى الضرورية لسيرورة العمل (بالدرجة الأولى الأرض وكذلك الأبنية والمنشآت الإنتاجية ووسائل النقل والسكك الحديدية وطرق السيارات والخ.).

    إن مواضيع العمل ووسائل العمل معا تشكل وسائل الإنتاج، إلا أن وسائل الإنتاج تبقى عديمة الحياة إلى أن يشغلها عمل الانسان، وفي عملية العمل ينفق الناس طاقتهم العضلية والعصبية والذهنية، وبكلمات أخرى، أنهم ينفقون قوة عملهم، ولكن قوة العمل وعملية العمل ليستا بالشيء الواحد، فقوة العمل هي قدرة الانسان على العمل، وهي توجد حتى عندما لا يعمل الانسان، أما سيرورة العمل فهي الاستخدام النشيط لقوة العمل، وهكذا فبغية أن تتحقق سيرورة العمل لا بد من جمع قوة العمل ووسائل الإنتاج معا.

    7 ـــ الطبقات الاجتماعية:

    يتميز في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يهيمن على عالمنا اليوم، كل من العامل المأجور وصاحب العمل عن بعضهما البعض، بالدرجة الأولى من حيث مكانتهما في الإنتاج الاجتماعي، وإن كلمات "العامل المأجور" و"صاحب العمل" هي أفضل تعبير عن ذلك. ويتحدد مكانهما في الإنتاج الاجتماعي بموقفهما من وسائل الإنتاج، فالعامل المأجور، أو البروليتاري، محروم من وسائل الإنتاج. وهو يذهب إلى "صاحب العمل" ليؤجر نفسه في العمل لأنه لا يملك الأدوات والوسائل اللازمة لإطعام نفسه، وعلى العكس، فصاحب العمل (رجل الأعمال الرأسمالي) هو صاحب وسائل الإنتاج، الأمر الذي يتيح له استئجار واستغلال العمال والعيش على حساب عمل الناس الآخرين.

    ويختلف دور صاحب العمل والعامل المأجور في التنظيم الاجتماعي للعمل، فصاحب العمل بيده مقاليد الأمر والنهي، بينما ينفذ العامل ما يمليه صاحب العمل ويخضع لإرادته.

    وإن المكانين المختلفين اللذين يشغلهما العامل وصاحب العمل في الإنتاج الاجتماعي يحددان الفوارق بينهما في مجال توزيع واستهلاك الثروة الاجتماعية، أي الفوارق في أساليب الحصول على الدخل ومقاديره.

    إن عشرات الملايين من العمال المأجورين في البلدان التي تعتبر فيها وسائل الإنتاج ملكية رأسمالية خاصة، يخلقون بعملهم ثروات طائلة. ولكن كيف يجري توزيع هذه الخيرات المادية؟ يحصل العمال المأجورون على الأجرة، بينما يبتز أصحاب العمل مبالغ ضخمة على صورة الربح الرأسمالي. وفي ظل هذا الطابع لتوزيع الخيرات المادية يختلف إلى حد كبير جدا الاستهلاك لدى كل من العامل والرأسمالي، فكم من ملايين الكادحين في مختلف أنحاء العالم لا يملكون الحد الأدنى الضروري للمعيشة! وكم يموت منهم بسبب الجوع وبسبب حرمانهم من وسائل المعيشة! وكم يموت منهم بسبب المرض لأنه ليس بوسعهم الحصول على المعونة الطبية والأدوية! وفي الوقت ذاته يغرق الموسرون من الطبقات الغنية في البذخ والترف. وتحت تصرف الأغنياء توجد القصور المنيفة والفيلات الفخمة والسيارات واليخوت البحرية. بل وصل بهم الأمر إلى حد تشييد مستشفيات وفنادق خاصة لقططهم وكلابهم.

    وبوسعنا الآن تعريف الطبقات، فالطبقات هي جماعات كبيرة من الناس تتميز عن بعضها البعض من حيث مكانها في النظام التاريخي للإنتاج الاجتماعي، وموقفها من وسائل الإنتاج، ودورها في التنظيم الاجتماعي للعمل، ومقادير تلك الحصة من الثروة الاجتماعية التي تنالها وأساليب الحصول عليها، وهذه الفوارق تتيح لإحدى الطبقات العيش على حساب استغلال طبقة أخرى (غير مالكة).

    لنستخلص الآن نتيجة موجزة لما قيل. إن العلاقات الإنتاجية تضطلع، كما نرى، بالدور الحاسم في حياة المجتمع، وبشكل الملكية يتحدد مكان المنتج في الإنتاج الاجتماعي والتوزيع والتبادل والاستهلاك.

    في ظل الملكية الخاصة تعود وسائل الإنتاج إلى الأقلية، بينما تكون الغالبية محرومة منها، لذا تضطر غالبية الناس، بغية العيش، لأن تنخرط في العمل المأجور لدى الأقلية المالكة ولأن تتعرض للاستغلال وتغني الأسياد بعملها.، أما في ظل الشكل الاجتماعي للملكية، عندما تعود وسائل الإنتاج إلى العمال والكادحين والشعب بأسره فلا وجود لأصحاب الملكية الرأسماليين، ولذلك يستحيل امتلاك ثمرات عمل الآخرين واستغلال الانسان للإنسان.

     

    أحمد الحمراوي

    10 ــ 5 ــ 2017

    الهوامش


    [1]  - راجع: فردريك انجلس، دور العمل في تحول القرد إلى إنسان، ديالكتيك الطبيعة، ترجمة توفيق سلوم، دار الفارابي، الطبعة الثانية 2011، الصفحة: 194 وما بعدها.

    [2] - K. Marx, Capital, ed. cit., Vol. I, P. 169.

    [3] - راجع المصدر السابق، الصفحة 176.

    [4] - K. Marx, Introduction to the Critique of Political Economy, Charles H. Herr & Co. Chicago, 1904, PP. 267 & 268.

    [5] - راجع: ماركس وانجلس، المؤلفات، المجلد 20، الصفحة 486.