Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

  • الحزب الشيوعي الصيني من التأسيس إلى القواعد الثورية ومناطق السلطة السياسية الحمراء (الحلقة الرابعة ــ الجزء الثاني)ـ

    Pin it!

     

    دفاتر "قوموا بالتحقيقات ولا تنطقوا بالحماقات"

    الجزء الثاني

    الحزب الشيوعي الصيني من التأسيس

    إلى القواعد الثورية ومناطق السلطة السياسية الحمراء

    الحلقة الرابعة

    8 ــ الأممية الشيوعية الثالثة والحزب الشيوعي الصيني ومسألة التعاون السياسي مع الكيومنتانغ.

    تذكير

    8 ــ 1 ـــ الأممية الشيوعية الثالثة والحزب الشيوعي الصيني

    8 ــ 2 ـــ عودة إلى المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني

    8 ــ 3 ــ الحزب الشيوعي الصيني وسياسة التعاون مع الكيومنتانغ

    9 ــ الأممية الشيوعية الثالثة وحزب الكيومنتانغ

    ـــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    8 ــ الأممية الشيوعية الثالثة والحزب الشيوعي الصيني ومسألة التعاون السياسي مع الكيومنتانغ.

    تذكير:

    لقد قمنا إلى حدود اللحظة بعرض بعض المحطات الأساسية للسياق التاريخي، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، التي على أرضيتها برز الحزب الشيوعي الصيني (انظر الحلقة الأولى من الجزء الثاني)، كما قمنا بعرض مركز جدا، لمواقف وأطروحات الأممية الشيوعية الثالثة بخصوص "المسألة الوطنية والكولونيالية"، وذلك إلى حدود مؤتمرها الثالث في صيف 1921، ثم قمنا بعرض مواقف وأطروحات المؤتمرين الذين دعت الأممية الشيوعية الثالثة لعقدهما فيما يخص قضايا "شعوب الشرق"، مؤتمر باكو بين 1 و 8 شتنبر من سنة 1920، ومؤتمر "المنظمات الثورية والشيوعية لشعوب الشرق" بين 21 و 27 يناير من سنة 1922 ــ(انظر الحلقتين الثانية والثالثة من الجزء الثاني). ففي ظل هذا التعاطي للأممية الشيوعية مع "مسألة الشرق"، وتحديدا مع مسألة البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، كانت علاقتها مع القوى الثورية لشعوب هذه البلدان، والتي كانت في غالبيتها حركات برجوازية ثورية تسعى للاستقلال الوطني وتوحيد البلاد، وكذا علاقات الأممية الشيوعية الثالثة مع المجموعات الشيوعية التي ستعمل لاحقا، وأحيانا تحت إشراف الأممية، على بناء أحزابها الشيوعية، كانت قد نُسِجَت روابطها وعرفت تطورات سياسية وتنظيمية مهمة ومتقدمة.

    فمن خلال هذه العلاقات إذن، والتي كانت مدعومة سياسيا وعسكريا من طرف دولة السوفييتات البروليتارية، سواء مع الأحزاب البرجوازية الثورية أو المجموعات الشيوعية، تم طرح خط سياسي محدد للثورة بهذه البلدان (المستعمرة والشبه المستعمرة...)1، وكذا تحديد مجموع القوى السياسية والاجتماعية التي ستعتمدها هذه الثورة بهذه البلدان، وتم البحث بعدها عن الأشكال والصيغ التنظيمية للعمل الثوري بين مجموع تلك القوى، برجوازية ثورية وشيوعية، لأجل تحقيق الأهداف المحددة للمرحلة بتلك البلدان.

    كما سبق أن قمنا، بتركيز شديد كذلك، ضمن ذاك السياق التاريخي، بعرض للحظة تأسيس الحزب الشيوعي الصيني (صيف 1921)، والتعريف بالتوجهات الإيديولوجية والسياسية التي كانت تخترقه لحظة تأسيسه الفعلي، ولم نخض حينها في السيرورة الداخلية التي سبقت عملية التأسيس تلك، ونقصد سيرورة تطور المجموعات الشيوعية بعد حركة 4 ماي 1919 إلى حين انعقاد المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني، فخلال هذه السيرورة الداخلية لتطور المجموعات الشيوعية نحو تأسيس الحزب، كانت علاقات الشيوعيين الصينيين بمبعوثي الأممية الشيوعية الثالثة قد نُسِجَت وتُوجت بتشكيل "لجنة مركزية" مؤقتة هي من سيعمل لاحقا على التأسيس الفعلي للحزب الشيوعي الصيني في صيف 1921.

    8 ــ 1 ـــ الأممية الشيوعية الثالثة والحزب الشيوعي الصيني

    هكذا إذن، فبعد حركة 4 ماي 1919، والحركة الأدبية والثقافية الهامة والواسعة التي انطلقت منذ 1917، ازداد اهتمام الأممية الشيوعية الثالثة بالصين، وأرسلت بهذا الخصوص، في بداية 1920، أحد مبعوثيها الذي كان مكلفا من طرف الأممية بالعمل الثوري ب "الشرق الأقصى"، وهو "فوجتينسكيج" (Vojtinskij)، بهدف التحري حول الوضع السياسي بالصين، ومن أجل لقاء قادة حركة 4 ماي والحركة الأدبية والثقافية التي صاحبتها.

    حضر مع "فوجتينسكيج" كل من "مامئيف" وزوجة هذا الأخير، وبمعيتهم "يانغ مينغ شاي" كمترجم (وهو شيوعي من منطقة شاندونغ، كان مقيما بروسيا لمدة تزيد عن 10 سنوات، وكان فيها عضوا بالحزب الشيوعي الروسي بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى).

    التقى هذا الثلاثي ب "شن تو سيو" بشنغهاي، حيث كان هذا الأخير مقيما بها في المنطقة الفرنسية ومسؤول عن إصدار مجلة "الشبيبة" التي كانت تعرف انتشارا واسعا2. وعن طريقه تم اللقاء بمسؤولي تحرير مجموعة من المجلات والجرائد: "نقد الأحد" وهي مجلة أسبوعية عوضت "جريدة الشعب" التي كان يصدرها حزب الكيومنتانغ، ومجلة "الأزمنة الجديدة" والبعض الآخر ممن كانت تصدرها مجموعة أطلق عليها ب "النادي السياسي" الذي كان يضم العديد من أصدقاء "ليانغ كي شاو" الأرستقراطي وقائد حملة الإصلاح لسنة 1898 من أجل "ملكية دستورية".

    التقى " فوجتينسكيج" أعضاء سابقين بحزب الكيومنتانغ، وهم "داي جي تاو"، "شن لو"، وكذا "لي هان شون" الذي كان يكتب بمجلة حزب الكيومنتانغ، وهذا الأخير هو من سيصبح لاحقا عضوا في القيادة المركزية للحزب الشيوعي الصيني خلال المؤتمر التأسيسي.

    كان هدف " فوجتينسكيج" هو توحيد المجموعات التي تصدر على الخصوص المجلات الثلاث: "الشبيبة"، "نقد الأحد" و"الأزمنة الجديدة"، وتأسيس تحالف ثوري جديد. في نفس الوقت كان مسؤولو هذه المجلات يعتزمون تأسيس حزب شيوعي صيني أو حزبا اشتراكيا صينيا. وبعد صراعات داخلية بين تلك المجموعات، ونقاشات بين مسؤوليها ومبعوث الكومنترن، قرر "شن تو سيو" و "لي هان شون" و "شن لو" وآخرين تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، ليلتحق بهم بعد ذلك كل من "لي تا" الذي سيصبح مسؤولا عن الدعاية في القيادة المركزية التي سيفرزها المؤتمر التأسيسي لصيف 1921، و"يو كسين سونغ" و"شي كون تونغ".

    قامت هذه المجموعة بداية بخلق ستة خلايا شيوعية في كل من بكين، شنغهاي (حيث المقر المركزي)، ووهان، شانغسا، كانتون وفي منطقة شاندونغ.

    في خريف 1920 التقى الثلاثي الروسي ب "شن تان كيو"، وهو الذي سيمثل منطقة "ووهان" في المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي في صيف 1921، وركز هذا اللقاء على ضرورة تشجيع التكوين النظري وتقوية العمل والانضباط وسط "الحزب".

    في هذه الفترة التي أفرزت فيها "لجنة مركزية" مؤقتة، عمل الأعضاء على الدعاية والتنظيم، حيث قاموا بإصدار نشرة شهرية، حملت اسم "الشيوعي" التي كانت تصدر بسرية، وكان توزيعها محدودا، حيث نشر منها عددين فقط بسبب قلة الموارد المادية، عدد أول صدر في 7 نونبر 1920، وثاني في 7 دجنبر من نفس السنة، وفيها تم تشر إحدى أهم المقالات لهذه الفترة، تحت عنوان: "في تخليد الذكرى الثالثة لتأسيس الحكومة الشيوعية بروسيا" بتوقيع "وو كسي"3، وهذا الاسم الأخير، "وو كسي"، هو في الواقع اسم مستعار موحد، استعمله مجموعة من أعضاء الحزب لتوقيع مقالاتهم، و منهم حينذاك "لي تا"، لي هان شون" و "شن تو سيو".

    عملت هذه "اللجنة المركزية" المؤقتة على تشكيل لجان عمل في منطقة شنغهاي، لجنة خاصة بالأنباء الصينية السوفياتية، وهي أول لجنة تشكلت مع وصول مبعوث الأممية "فوجتينسكيج"، وكان المسؤول عنها هو "يانغ مينغ شاي" الذي لعب دور المترجم والذي كان مقيما سابقا بروسيا وعضوا في حزبها الشيوعي، حيث عانت هذه اللجنة من قلة العاملين بها ومن قلة الموارد المالية. ثم لجنة اتحاد الشبيبة الاشتراكية، التي تشكلت في صيف 1920، وكان المسؤول فيها هو "يو كسين سونغ"، تجتمع مرة كل أسبوع لنقاش التقارير السياسية التي تضعها "اللجنة المركزية" المؤقتة. تحول اسمها إلى الشبيبة الشيوعية بعد المؤتمر التأسيسي الأول لصيف 1921. ثم لجنة مدرسة اللغات الأجنبية، التي كانت مهمتها تدريس اللغة الروسية لأعضاء الشبيبة التي يتم إعدادها للذهاب إلى موسكو، وفيها نجد مجموعة ممن سيصبحون لاحقا من قادة الحزب أو الدولة، ك "ليو شاو كي"، الذي سيصبح لاحقا رئيسا للصين (1959) بعد أن تصدى هو ومجموعة من القياديين اليمينيين في الحزب لسياسة "القفزة الكبرى إلى الأمام" وطرح حلول اقتصادوية تحريفية، و "ليو جيو"، أو "ليو يي نونغ"، الذي سيصبح قائدا للحزب الشيوعي بشنغهاي بين 1925 و 1927 والذي سيتم اغتياله من طرف الأجهزة البوليسية ل "كاي شيك" خلال انقلاب أبريل 1927، ثم "لي كي هان" وهو مؤسس لنقابات شنغهاي بين 1920 و 1922، و الذي سيصبح لاحقا واحدا من قادة "كمونة كانتون" في دجنبر 1927.

    في نهاية 1920، كان "شن تو سيو" يتواجد بمنطقة "شاندونغ"، حيث كانت حكومة "سن يات سن" قد عينته مسؤولا عن التعليم فيها، وعوضه في مسؤوليته السياسية بشنغهاي كمسؤول أول في "اللجنة المركزية" المؤقتة "لي هان شون"، هذا الأخير سيتم طرده من الحزب في يونيو 1922 بسبب مجموعة من الأخطاء السياسية. في هذه الفترة كان "فوجتينسكيج" قد عاد إلى روسيا، والحصيلة هي أن عمل "اللجنة المركزية" المؤقتة أصبح شبه منعدم، ولم يتبقى من مسؤولي الحزب بشنغهاي في يناير 1921، إلا بضعة أعضاء، وهم "لي هان شون"، "لي تا"، "يانغ مينغ شاي" و"يو كسين سونغ" الذي عمل إلى جانب "لي كي هان" على تشكيل لجنة الحركة النقابية بهدف الاهتمام بعمال المطابع ومصانع التبغ والنسيج، و تم خلق بهذا الخصوص مدارس للعمال بأحياء عمالية في الضواحي الغربية لشنغهاي، إلا أن هذا العمل لم يعرف تقدما بسبب قلة الموارد المالية وقلة العاملين في اللجنة.

    عملت هذه المجموعة الشيوعية المنظمة في هذه الفترة أساسا على الدعاية وعلى تنظيم اليوم الأممي للطبقة العاملة ( 1 ماي 1921) عن طريق توزيع العديد من المنشورات وعقد اجتماعات بهذا الصدد، والدعوة إلى تجمع عمالي كبير في المنطقة الدولية بشنعهاي التي كانت تقع تحت السلطة الإدارية الصينية. بعدها بيوم واحد قدمت الأجهزة البوليسية الصينية والفرنسية لتفقد مقر الحزب الشيوعي بشنغهاي، ولم يتم العثور على أي شيء بعد أن تم إخلاء المقر من كل الوثائق. حيث دعا "لي هان شون" بعد هذه الحادثة، إلى اجتماع عاجل لأعضاء الحزب، واقترح إغلاق المقر وانتقال "اللجنة المركزية" المؤقتة إلى كانتون (وهي المنطقة التي ستصبح لاحقا مركزا للنضال الوطني والثوري)، والكف عن أي عمل بشنغهاي مع ضرورة دعوة "شن تو سيو" إلى العودة من كانتون إلى شنغهاي من أجل تحمل مسؤولياته السياسية والتنظيمية، وتنظيم عمل الحزب.

    8 ــ 2 ـــ عودة إلى المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني:

    كنا قد عرجنا سابقا في الحلقة الثانية من هذا الجزء، وبشكل مركز جدا، على بعض مجريات المؤتمر التأسيسي والأطروحات التي اعتملت فيه، من دون أن ندقق في مجرياته ولا في العناصر التي كان لها الدور المركزي في تأسيس الحزب وفي بلورة خطه السياسي لهذه الفترة. هكذا، ففي يونيو 1921 وصل "مارينغ" إلى الصين مبعوثا من طرف الأممية الشيوعية الثالثة، وبرفقته "ليكونسكيج"، حيث التقوا بداية في بكين ب "لي تا زهاو" و"شانغ كيو تاو" الذين اقترح عليهما "مارينغ" عقد مؤتمر وطني لأجل تأسيس الحزب (أشرف "مارينغ" سنة قبل هذا على تأسيس الحزب الشيوعي بإندونيسيا ــــ الهند الشرقية الهولندية حينها). لم يستطيع "لي تا زهاو" الذهاب بسبب عمله، ليتجه كل من "مارينع"، " ليكونسكيج" و "شانغ كيو تاو" إلى شنغهاي للقاء "لي هان شون". ومن هناك، قام شيوعيو شنغهاي بكتابة رسالة عاجلة ل "شن تو سيو" لأجل الحضور والوقوف على أشغال المؤتمر التأسيسي، إلا أنه لم يستطع مغادرة كانتون بسبب عمله، وأرسل بدله "باو هوي سينغ".

    انعقد المؤتمر بحضور مبعوث الأممية الشيوعية الثالثة4، ومشاركة عضوين عن كل منطقة من المناطق السبع التي حددتها اللجنة المركزية المؤقتة (منطقتين لم يحضر منها إلا عضوا واحدا)، وتم تحديد مدة المؤتمر في أربعة إلى خمسة أيام، حيث قدم ممثل الأممية خلال يومها الأول تقريرا أمام المشاركين في المؤتمر الذي انطلق تحت رئاسة "شانغ كيو تاو". خلال أشغال المؤتمر لليوم الثاني والثالث، والذي لم يشارك فيهما ممثل الأممية، قدم المشاركين تقريرا عن أنشطة الشيوعيين كل حسب منطقته، وتم تحديد جدول الأعمال في نقطتين: "برنامج الحزب" و "مشروع من أجل حركة عمالية". في اليوم الرابع شارك ممثل الأممية في الاجتماع بمعية كل الأعضاء المؤتمرين، وتم وقف أشغال اليوم الرابع للمؤتمر بعد أن تم الانتباه إلى إمكانية تدخل الأجهزة البوليسية حين قدم شخص "مجهول" مدعيا أنه دخل عن طريق الخطأ، فتم الانسحاب بسرعة بعد إفراغ المكان من كل الوثائق، ولم يبقى إلا "لي هان شون" لوحده. بعدها بمدة قليلة اقتحم المقر مجموعة من المخبرين وجهاز البوليس الذي وجه السؤال ل "لي هان شون" حول طبيعة الاجتماع الذي جرى، فأخبرهم بكون المسألة تتعلق باجتماع لأساتذة جامعيين من بكين بهدف نقاش بعض مشاكل تنظيم مجموعة من الأعمال والكتب المعاصرة.

    في اليوم الخامس لأشغال المؤتمر بقي "مارينغ" (ومعه ليكونسكيج) بشنغهاي لدواعي أمنية، وانتقل مؤتمري الحزب الشيوعي إلى بحيرة الجنوب ب 'كيا هسينغ" التي تبعد بحوالي مائة كيلومتر عن شنغهاي. تمت المصادقة خلال اليوم الخامس والأخير على البرنامج وانتخاب قيادة مركزية ثلاثية: "شن تو سيو"، "شانغ كيو تاو" و "لي تا" (لا يجب خلط هذا الأخير مع عضو أخر اختير هو الأخر ضمن القيادة المركزية كعضو بديل وهو "لي تا زهاو"، انظر في هذا الخصوص الحلقة الثانية من هذا الجزء) حيث اختيرت شنغهاي مقرها المركزي، وتم التأكيد على استئناف إصدار النشرة الشهرية للحزب الشيوعي (صدرت منها بعض الأعداد قبل المؤتمر التأسيسي: العدد 3 في أبريل، عدد 4 في ماي، عدد 5 في يونيو، وعلى الأرجح العدد 6 مباشرة بعد المؤتمر في 7 يوليوز).

    لقد احتلت مسألة بناء حركة عمالية مكانة مركزية وأولوية في عمل الحزب، حيث تم "تأسيس في غشت 1921"، وتحت رئاسة "مارينغ"، "سكريتارية منظمات العمال الصينيين"5، والتي تصدر جريدة "أسبوعية العمل" التي كان يكتب فيها "شانغ كيو تاو" باسم مستعار هو: "شانغ تي لي".

    لم يكن "مارينغ" راضيا على عمل الحزب، حيث صرح بأن الحزب يعمل في حلقات ضيقة مشكلة من الطلبة والعمال، وأن العمل السياسي للحزب ضعيف جدا، واقترح عودة "شن تو سيو" إلى شنغهاي من أجل إطلاق العمل والتنظيم، وهو الأمر الذي وافق عليه "شن توسيو"، ليتم اعتقاله وزوجته بعد عودته، واعتقل معه آخرون ك ""يانغ مينغ شاي"، "كي كينغ شي"، "باو هوي سينغ"... بعد يوم ونصف استطاع "مارينغ" إخراجه من السجن بكفالة قدرت ب 50 ألف يوان من الفضة عن طريق محامي فرنسي، في حين بقي المعتقلون الآخرون 5 أيام في السجن ليترافع عنهم المحامي الفرنسي، وانتهى الحكم بتغريم جريدة "الشبيبة" 5000 يوان لنشرها "آراء ذات نزعة راديكالية".

    بعدها أطلق "مارينغ" نقاش جبهة موحدة ثورية وديمقراطية، حيث اقترح بهذا الصدد تشكيل جبهة موحدة بين الكيومنتانغ بقيادة "سان يات سن" والحزب الشيوعي. وقد حصل "مارينغ" بهذا الصدد على موافقة "شن تو سيو" الذي، كما نعلم، هو زعيم خط الثورتين المنفصلتين، أو ما يسمى في الأدبيات الماركسية ــ اللينينية الثورية، ب "المرحلوية" أو "المنشفية الجديدة"، وهي الأطروحة الداعية إلى ثورة برجوازية بقيادة هذه الأخيرة، لأجل بناء الرأسمالية أولا، تليها ثورة اشتراكية بقيادة البروليتاريا. وقد دعمه بهذا الصدد في القيادة المركزية للحزب "لي هان شون" (عضو مؤسس فترة "اللجنة المركزية" المؤقتة، وهو من عمل على التقاء "فوجتينسكيج" و"مامئيف" ب "شن تو سيو"، وهو كذلك كاتب مقالات سابق بمجلة تعود للكيومنتانغ، وسيتم طرده من الحزب في يونيو 1922 بسبب أخطاءه السياسية). من هذا المنطلق لم يعارض هذا التيار فكرة التعامل السياسي مع حزب الكيومنتانغ، ودافع على أن يكون هذا الأخير هو القوة المركزية للثورة وقائدها. في نفس الوقت، رفض كل من "شانغ كيو تاو" و"ليو شن شينغ" (ممثل منطقة بكين في المؤتمر) مقترح "مارينغ"، مدافعين على ضرورة الاعتماد كليا على الطبقة العاملة وإطلاق مهام الثورة الاشتراكية. وكما نعلم، فأطروحتي التيارين تم رفضهما معا من طرف الأغلبية المشاركة في المؤتمر التأسيسي، وتم اعتماد خط يزاوج بين قبول التعامل السياسي مع الكيومنتانغ وفي نفس الوقت نقد خط هذا الحزب وفضح ممارساته التوافقية مع أمراء الحرب العسكريين و مع الحكومة العميلة ببكين. إلى حدود هنا، لم يتم بعد تحديد الشكل أو "الصياغة التنظيمية" لسياسة التعاون بين الحزبين، كل ما هناك، هو أن هذه المسألة الأخيرة، سياسة التعاون مع الكيومنتانغ، تم اعتبارها من جهة الشيوعيين سليمة وضرورية عمليا، ووجب العمل على تحديد صيغتها التنظيمية.

    بعد هذا، وفي أكتوبر 1921، توجه "مارينغ" نحو كانتون ومعه "شانغ تاي لي" (عضو الحزب الذي شارك في المؤتمر الثالث للأممية، وكان قبلها يعمل ب "إركوتيسك" بمكتب الشرق الأقصى الذي شكلته الأممية سابقا) من أجل لقاء "سن يات سن" ونقاش مسألة "الجبهة الموحدة".

    قبل الخوض في هذا المسار الذي سيتخذه نقاش مبعوث الأممية الشيوعية الثالثة وزعيم الكيومنتانغ "سن يات سن" حول مسألة "الجبهة الموحدة"، نرى أنه من الضروري الوقوف قبل ذلك على تطور هذه المسألة من جهة الحزب الشيوعي الصيني.

    8 ــ 3 ــ الحزب الشيوعي الصيني وسياسة التعاون مع الكيومنتانغ:

    من جهة التوجه العام للشيوعيين بخصوص مسألة التعامل السياسي مع الكيومنتانغ، أي توجه الأغلبية6، فقد تم اعتباره مسألة صحيحة مبدئيا وضرورية عمليا، وعليه وجب العمل على تحديد الصيغة التي بها سيتم تصريف هذه المسألة في الممارسة العملية. حيث برزت بهذا الخصوص وجهتي نظر، تدعو الأولى فيها إلى عمل ثوري متقارب ومنسق، والثانية إلى تحالف وثيق وجب فقط تحديد شكله ومستواه.

    ففي حالة إن أراد الحزب الشيوعي الصيني الحفاظ على تنظيمه الخاص، فصيغة سياسة التعامل مع حزب الكيومنتانغ تعود إلى شكلين، حيث سمي الشكل الأول منها ب "الباب المفتوح"، والشكل الثاني ب "الباب المسدود".

    في الشكل الأول، على الحزب الشيوعي الصيني العمل داخل حزب الكيومنتانغ، وعليه أن يصبح عنصرا متجانسا ومستقلا داخل هذا الأخير. أما في الشكل الثاني، فعلى الحزب الشيوعي أن يبقى خارج حزب الكيومنتانغ مع ربط حركة الحزب الشيوعي بحركة هذا الأخير.

    في الواقع، ومن جهة أولى، لم تحسم هذه المسألة بسرعة ولم تحسم في اتجاه واحد، ومن جهة ثانية، فمسألة التعامل السياسي مع حزب الكيومنتانغ هي مرتبطة بطبيعة الخط السياسي والاستراتيجي للحزب الشيوعي الصيني لهذه الفترة، ونقصد تحديدا، أنها مرتبطة بخط ومواقف كل تيار وسط الحزب من طبيعة الثورة في الصين ومن طبيعة القوى الاجتماعية والسياسية التي عليها إنجاز مهام الثورة في تلك المرحلة. فكل تيار كان يدفع في اتجاه معين من مسألة التعامل السياسي هذه، وإن كان الموقف العام للحزب من هذه المسألة الأخيرة، لحظة تأسيسه، يمزج بين ضرورة التعامل السياسي مع حزب الكيومنتانغ وبين نقد وفضح ممارساته التوافقية ومساوماته السياسية (وهي عملية سياسية لجذب الكيومنتانغ ما أمكن نحو اليسار). لقد تم الانتهاء إلى طريقة تمزج بين الشكلين معا، وهو ما يعكس طبيعة الاختلافات والتوافقات وسط الحزب الشيوعي الصيني في هذا الفترة، حيث على أعضاء الحزب الشيوعي أن يصبحوا وبشكل فردي أعضاء في الكيومنتانغ، مع احتفاظهم بعضويتهم في الحزب الشيوعي الذي يجب عليه الاستمرار في العمل كحزب مستقل عن الكيومنتانغ.

    ففي وثيقتين تعودان إلى المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي الصيني الذي انعقد في شنغهاي بين 10 و 23 يوليوز7، تم التعبير عن هذا النوع من التعامل السياسي مع الكيومنتانغ، حيث نجد بيانا للحزب الشيوعي حول الوضع الراهن حينها، يقول البيان:

    "الحزب الشيوعي الصيني، طليعة البروليتاريا، يناضل من أجل تحرر الطبقة العاملة ومن أجل الثورة البروليتاريا.... حتى تصبح البروليتاريا الصينية قادرة على الاستيلاء على السلطة، وأخذا بالظروف والشروط السياسية والاقتصادية السائدة في الصين، وكذا التطور التاريخي الذي تعتبر الصين مسرحا له، فالمهمة العاجلة جدا للبروليتاريا هي إقامة جبهة موحدة للثورة الديمقراطية من أجل الإطاحة بالجيش وتكوين (تنظيم) حكومة ديمقراطية فعلية".

    ونجد كذلك في بيان المؤتمر الثاني:

    "من أجل المصلحة الراهنة للعمال والفلاحين الفقراء، على الحزب الشيوعي الصيني دعوة العمال إلى مساعدة الحركة الديمقراطية الثورية وتمكين العمال والفلاحين الفقراء والبرجوازية الصغيرة من إنشاء جبهة ديمقراطية موحدة".

    هذا، وقد حُددت قائمة من سبعة أهداف رئيسية تشمل خاصة:

    ــــ على المستوى الوطني، بناء جمهورية فدرالية تشمل منغوليا والتيبيت، تركستان، وبالطبع، القضاء على الإمبريالية.

    ــــ على المستوى السياسي الداخلي، الحقوق الأساسية للاجتماع والتعبير والاختيار...

    ــــ على المستوى الاجتماعي، تشريعات حديثة للعمل (يوم عمل من ثماني ساعات)، إصلاح التعليم والضرائب.

    نفس الوثيقة أصرت على حفاظ البروليتاريا على استقلالها الطبقي اتجاه البرجوازية.

    إلى حدود اللحظة، لم تشر وثائق المؤتمر الثاني (المتوفرة) المنعقد في يوليوز 1922، إلى أي صيغة تنظيمية عملية للتعامل السياسي للحزب الشيوعي مع حزب الكيومنتانغ، كل ما هناك، أنه تمت دعوة العمال والفلاحين (رغم أنه في هذه الفترة، كما سنرى لاحقا، تم التركيز بشكل كبير جدا على الطبقة العاملة في المناطق الصناعية التي كانت في غالبيتها في يد الرأسمال الإمبريالي، ولم يمنح أي دور فعلي وملموس للفلاحين الذين كان لهم تاريخ عريق من الانتفاضات ضد الملاكين الكبار والسلطات العسكرية) لمساعدة الحركة الديمقراطية الثورية، والتي كان الكيومنتانغ قوتها المركزية، عن طريق بناء جبهة ديمقراطية موحدة من أجل ثورة ديمقراطية لبناء جمهورية فدرالية بحكومة ديمقراطية.

    في الشهر الموالي، غشت 1922، يعود "مارينغ" من موسكو، ليقترح على اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني وضع هذا الأخير داخل حزب الكيومنتانغ، (17 غشت، الجلسة الثانية ب "هانغ هاو")

    الوصفة التي طرحها "مارينغ" هنا لسياسة تعامل الحزب الشيوعي الصيني مع حزب الكيومنتانغ، والتي حسبها، وجب على كل عضو للحزب الشيوعي الانخراط في حزب الكيومنتانغ (بشكل فردي / ازدواجية الانتماء)، أتارت ردود فعل مختلفة، وعلى الخصوص بدا ذلك واضحا خلال أشغال المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الذي انعقد ب "كانتون" في يونيو 1923، حيث كانت المعارضة من جهتين:

    الجهة الأولى قادها "شانغ كيو تاو" (التيار "اليسراوي" والداعي للثورة الاشتراكية كمهمة آنية)، حيث علل هذا التيار موقفه بأن الحزب الشيوعي الصيني هو حزب طبقة، والقصد هنا طبقة البروليتاريا، وأن هذه الأخيرة لا يمكنها تمثيل طبقات أخرى غيرها من دون أن تخلق بهذا النوع من التعامل السياسي العديد من الالتباسات وسط أعضائها، ووسط المتعاطفين معها. وأن هذه الالتباسات لن تعمل إلا على إضعاف تماسك الحزب وقراراته، وتؤدي بالتالي إلى أخطاء عملية خطيرة. لهذا دعا هذا التيار إلى عدم منح الفرصة لحزب الكيومنتانغ، أو الائتمان له. إن هذا الموقف يتماشى كليا مع خط هذا التيار الداعي إلى مباشرة مهام الثورة الاشتراكية والاعتماد كليا وحصرا على الطبقة العاملة، وهو موقف مغاير كليا لأطروحات الأممية الشيوعية الثالثة (الأطروحات اللينينية) بخصوص طبيعة الثورة وقواها في البلدان المستعمرة والشبه المستعمرة.

    الجهة الثانية التي عارضت وصفة "مارينغ"، وهي التي شكلت التيار اليميني الاستسلامي وسط الحزب، حيث كان يدعو زعماء هذا التيار، منذ ما قبل المؤتمر التأسيسي للحزب، إلى ثورة برجوازية بقيادة الكيومنتانغ، ليعمل الشيوعيون بعد مرحلة الثورة البرجوازية على إطلاق الثورة البروليتارية، حيث علل هذا التيار موقفه من وصفة "مارينغ" بأن الحزب الشيوعي ووضعه الحالي، مقارنة مع حزب الكيومنتانغ، هو أضعف من أن يكون قادرا على توجيه وقيادة الكيومنتانغ من الداخل8

    في الحقيقة، فهذا التيار اليميني لم يكن يعارض دعوة "مارينغ" في دعم حزب الكيومنتانغ والتحالف السياسي معه، وهو التيار، كما نعلم، الداعي إلى أن يكون الكيومنتانغ القوة المركزية للثورة وقائدها في هذه المرحلة، كونها بالنسبة لهذا التيار يجب أن تكون ثورة برجوازية بقيادة القوة السياسية الممثلة لها، لكن ما كان يعارضه هذا التيار في وصفة "مارينغ"، هو عملية اختراق الكيومنتانغ من الداخل، عن طريق الانتشار الواسع وسط كل أجهزته السياسية والدعائية والتنظيمية والتحكم فيها لقيادة الثورة من داخل هذا الحزب، حيث لن تصبح الثورة بالنسبة لهذا التيار ثورة برجوازية تستوجب حسبه فقط دعم الشيوعيين والعمال والفلاحين لها، بل ستكون ثورة من النوع الذي يدعو إليه تيار "شانغ كيو تاو" اليسراوي، ما دام الشيوعيون هم من سيكونون في قيادتها، وهذا التيار، تيار "شانغ كيو تاو" أو خط الثورة الاشتراكية الآن، رفض دعوة "مارينغ" لعدم ائتمانه لهذه الوصفة التي ستخلق حسبه التباسا وسط الشيوعيين وحركة البروليتاريا بشكل عام، خصوصا وأنه كان قد بدأ يحتل مواقع قيادية وسط المنظمات النقابية العمالية، وبدأ العمل على توسيعها و توحيدها تحت لواء "سكريتارية المنظمات العمالية بالصين"، ويرفض خلق أي نوع من التماس (نظرة الصفاء الطبقي) مع البرجوازية الصينية وغيرها من الفئات الغير بروليتارية، رغم معاداة ومناهضة كل هذه الفئات للقوى الإمبريالية وللملاكين الكبار وللبرجوازية الكمبرادورية9.

    إن وصفة "مارينغ" هذه، وصفة الاختراق السياسي والتنظيمي، تندرج في هذه المرحلة ضمن سيرورة التجارب التي على أساسها سيتبلور ما سيعرف لاحقا باستراتيجية l’Entrisme السياسية التروتسكية (نعتقد أن الترجمة الأقرب لهذا المفهوم هي "استراتيجية الاختراق السياسي")، والتي تعتمد على إدخال مجموعة من أعضاء منظمة سياسية وسط منظمة سياسية أخرى منافسة، (أو حتى داخل جهاز الدولة البرجوازية)، للتأثير عليها، وعلى الخصوص العمل على تحويل خطها الاستراتيجي كليا، وهي ما سيسميه تروتسكي لاحقا ب ( l’Entrisme à drapeaux déployés )، ومنها نوع ثاني من الاختراق السياسي الذي يتم بسرية تامة لقلب التنظيم وتحويل أهدافه. على أي، لسنا هنا في معرض للتعاطي مع هذه الاستراتيجية التي اكتملت عناصرها لاحقا معتمدة في ذلك على مجموع التجارب التي خاضها هذا التيار التدميري في العديد من المنظمات والتجارب الثورية.

    لقد انتصرت وصفة "مارينغ" وفرضت نفسها باسم الأممية الشيوعية الثالثة في نهاية هذا الصراع الداخلي وسط الحزب الشيوعي الصيني، أمام تعنت وعناد "سان يات سن" من جهة الكيومنتانغ، والذي لم يترك خيارات أخرى للأممية الشيوعية الثالثة (سنرى ذلك في عرضنا لحزب الكيومنتانغ والأممية الشيوعية الثالثة، وخصوصا ما سمي بالإعلان "الشهير ل 26 يناير 1923).

    انتخب المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الصيني الذي انعقد ب "كانتون" في يونيو 1923 قيادة مركزية من خمسة أعضاء، وهم: شن تو سيو، لي تا شاو، تساي هو سن، ماو تسي تونغ (لأول مرة في القيادة المركزية) و"شو شيو باي" (هو الأخر لأول مرة في القيادة المركزية)، وجاء في بيانه، ومن دون أن يحدد البيان التفاصيل العملية للتعاون السياسي بين الحزب الشيوعي الصيني وحزب الكيومنتانغ، إعلان واعتراف بالدور الهام لحزب الكيومنتانغ:

    "على حزب الكيومنتانغ أن يكون القوة المركزية للثورة، عليه قيادتها...".

    "نتمنى إذن من كل العناصر الثورية للمجتمع أن تلتف وتجتمع حول الكيومنتانغ من أجل إسراع تحقيق الثورة الوطنية".

    في الواقع، فهذه المواقف تتماشى مع خط التيار اليميني بقيادة "شن تو سيو" الداعي إلى يكون الكيومنتانغ هو الحزب القائد ل"الثورة الديمقراطية"، ومع ذلك فلم يسلم هذا الأخير من النقد والفضح الذي جاء به بيان المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي، حيث نقرأ: "على حزب الكيومنتانغ أن يكون القوة المركزية للثورة، عليه قيادتها، للأسف، فحزب الكيومنتانغ يحتفظ وبشكل متواصل على مفهومين خاطئين:

    1 ـــ يأمل أن تساعده القوى الأجنبية في الثورة الوطنية الصينية، وهذه الخاصية في مخاطبة العدو، لا تجعله يفقد طابعه القيادي فحسب، بل كذلك، يدمر ثقة الشعب في (الشعور) باستقلالهم عن طريق استدارتهم إلى الأجنبي (الخارج)".

    2 ـــ يركز كل قواه في العمل العسكري، ويهمل الدعاية والتحريض وسط الجماهير. هكذا يفقد الكيومنتانغ موقعه السياسي القيادي، لأن حزبا ثوريا وطنيا لا يحصل على تعاطف الشعب، لن يستطيع أبدا النجاح بالاعتماد فقط على القوى العسكرية."

    يظهر إذن أن الخط السياسي والتنظيمي الذي اعتمده الحزب الشيوعي الصيني في هذه الفترة، أي إلى حدود مؤتمره الثالث في صيف 1923، كان متناقضا من تناقض التيارات المتصارعة داخله أولا، وثانيا من الصراعات التي كانت تعتمل وسط الأممية الشيوعية الثالثة (وطبعا وسط الحزب البلشفي ودولة السوفييتات، ونقصد الصراع بين بلاشفة لينين ومجموعة تروتسكي) رغم تبني هذه الأخيرة للأطروحات اللينينية خلال مؤتمرها الثاني حول "المسالة الوطنية والكولونيالية" (انظر الحلقة الثانية). فالحزب الشيوعي الصيني طرح من جهة ضرورة قيادة حزب الكيومنتانغ للثورة، والحديث هنا عن ثورة وطنية من أجل الاستقلال وتوحيد البلاد وبناء الجمهورية الفدرالية الديمقراطية، واعتمد في نفس الوقت "استراتيجية الاختراق السياسي" لأجهزة هذا الحزب من أجل قيادة هذه الثورة من داخله، مرتكزا في ذلك على وصفة مبعوث الأممية الشيوعية الثالثة، "مارينغ"، للتحالف السياسي بين الحزبين (أي أن الحزب الشيوعي يدعو حزب الكيومنتانغ لقيادة الثورة، وفي نفس الوقت يعمل من داخله لأجل الاستيلاء على قيادة الكيومنتانغ)، ومن جهة ثانية، حافظ الحزب الشيوعي الصيني على تنظيمه خارج حزب الكيومنتانغ، ومقدما نقدا للخط السياسي لهذا الأخير، ثم ركز بشكل كبير جدا في نضالاته الأساسية على البروليتاريا المتواجدة في المناطق الصناعية التي هي في يد الرأسمال الإمبريالي، وعدم إيلائه أي اهتمام بالمسألة الزراعية وحركة الفلاحين المضطهدين من طرف الملاكين الكبار والسلطات العسكرية لأمراء الحرب. لقد كان تركيز تيار "شانغ كيو تاو" وسط الحزب على التناقض بين العمال الصينيين والبرجوازية "الأجنبية" ممثلة الرأسمال الإمبريالي بالصين، معتمدا في ذلك على قيادته ل "سكريتارية منظمات العمال الصينيين"، ولم يمنح نفس قدر هذا الصراع في النضال ضد الكمبرادوريين. وكان تيار "شن تو سيو" يركز على الدفع بالكيومنتانغ لقيادة النضال الوطني والثوري وإنجاز الثورة البرجوازية. كما تم، من جهة هذه التيارات، تغييب وإهمال نضالات حركة الفلاحين ضد الملاكين الكبار والسلطات العسكرية المتحالفة معهم والمحافظة على مصالحهم. في الواقع، لقد كان الحزب الشيوعي الصيني في هذه الفترة مجالا لصراع ثلاث استراتيجيات، استراتيجيتين متناقضتين، يمينية ويسراوية، وثالثة عملت على "التوفيق" بين الاثنتين. الأولى استراتيجية الثورة البرجوازية بقيادة الكيومنتانغ التي على الحزب الشيوعي دعمها ومساعدتها، والثانية استراتيجية الثورة الاشتراكية الآن وباستقلالية تامة عن كل الطبقات والقوى السياسية (ثورة اشتراكية خالصة وصافية طبقيا). والثالثة استراتيجية الاختراق السياسي التي أتى بها مبعوث الأممية، لقيادة الكيومنتانغ من الداخل بمشروع سياسي يلتقي مع الاستراتيجية الأولى من حيت التحالف مع الكيومنتانغ، لكن بالعمل من داخله، ويلتقي مع الاستراتيجية الثانية من حيث قيادة الثورة، لكن مرة اخرى من داخل حزب الكيومنتانغ.

    الأكيد أن كل هذه الاستراتيجيات الثلاث، وعلى الخصوص وصفة مبعوث الأممية الشيوعية الثالثة، تخلت عن جوهر الأطروحات التي تبنتها الأممية الشيوعية الثالثة نفسها خلال مؤتمرها الثاني، وهي للتذكير مجددا الأطروحات اللينينية (مضافا إليها أطروحات "روي" ـــ انظر الحلقة الثانية من هذا الجزء الثاني).

    هذا ما كان من علاقة وعمل مبعوثي الأممية الشيوعية الثالثة مع الحزب الشيوعي الصيني، ولنرى الآن، كيف كان عمل هؤلاء المبعوثين مع حزب الكيومنتانغ؟

    9 ــ الأممية الشيوعية الثالثة وحزب الكيومنتانغ

    سنحاول هنا التركيز على أهم المحطات التي تشكلت فيها علاقة الكومنترن (الأممية الشيوعية الثالثة) بالكيومنتانغ، وكذا على مسار تطور هذه العلاقة، مع ضرورة الانتباه، توازيا مع هذا، إلى العمل الذي قام به الكومنترن اتجاه الحزب الشيوعي الصيني في الفترة نفسها، والذي وضعنا أهم عناصره في الفقرة السابقة، كي يتضح أن الأممية الشيوعية الثالثة، في شخص مبعوثيها بالصين، كانت تتحرك وفق خطة محددة بهدف توحيد قوى النضال الوطني والثوري بالصين وبغيرها من البلدان المستعمرة والشبه المستعمرة، للنضال ضد الإمبريالية وتحقيق أهدافها في المرحلة، والمحددة في الاستقلال وتوحيد البلاد.

    عمليا، تأسس حزب الكيومنتامغ ابتداء من خريف 1894، وكان يحمل إلى حدود 1905 اسم "جمعية إحياء الصين" ("هسينغ شونغ هوي" أو "كسينغ زهونغ هوي")، ليتحول اسمه بعد ذلك إلى "التحالف الثوري الصيني" أو "الرابطة المتحدة ("شونغ كيو تونغ كينغ هوي")، كتنظيم جمهوري ديمقراطي يناهض الحكم الإمبراطوري، ويعمل في السرية، ويدعو إلى إسقاط النظام عن طريق الانتفاضة.

    تحول هذا "التحالف الصيني" بعد ذلك إلى حزب سياسي فعلي: "الكيومنتانغ" (الحزب الوطني) في غشت 1912 بعد إسقاط الحكم الإمبراطوري في 1911، حيث اعتمد في حركته بعدها على العمل البرلماني الذي فيه حصل على الأغلبية من خلال أولى الانتخابات البرلمانية التي عرفتها صين ما بعد 1911.

    على العموم عرفت هذه الفترة، وإلى حدود فبراير 1923، تحولات كثيرة وسريعة، حيث كان حزب الكيومنتانغ بعد حل برلمان 1913، قد دخل في السرية، وتغيير اسمه إلى "الحزب الثوري الصيني" (1914)، ثم مرورا بفترة تأسيس الحزب ل "حكومة عسكرية" ب "كانتون" في شتنبر 1917 التي لم تدم طويلا، خصوصا وأن الحزب والحكومة معا كانا في صراع مرير، تطبعه أحيانا مساومات وتوافقات هشة، مع "أمراء الحرب العسكريين" ومع حكومة بكين العملية، وحتى مع بعض البلدان الإمبريالية، وأن قائده "سن يات سن"، كان مطاردا منذ أن تم حل البرلمان، حيث لجأ في البداية إلى اليابان، ثم بعد عودته وتأسيسه لحكومته العسكرية، تمت مطاردته، ليعود من جديد ويؤسس حكومة جديدة ب "كانتون"، فيطارد مرة أخرى من طرف أحد "أمراء الحرب" المحليين، للجوء إلى "شنغهاي"، ثم عودته الأخيرة في فبراير 1923 إلى "كانتون" التي ستصبح مركزا للنضال الوطني لهذا الحزب، والتي منها ستنطلق حرب توحيد البلاد بالمساعدة المادية والتقنية السوفياتية التي كانت ذات أهمية في هذا الشأن.

    لقد كانت معرفة قائد الكيومنتانغ، "سن يات سن"، بالحركة الثورية الروسية مبكرة، وكذا بثورة أكتوبر العظمى، حيث راسل بهذا الخصوص لينين سنة 1918، لتنطلق بعدها مجموعة من المراسلات بينه وبين "تشيتشيرين" بمبادرة من هذا الأخير الذي كان حينها مفوضا للشؤون الخارجية السوفياتية (مراسلات بين غشت 1918 وغشت 1921).

    في الواقع كان ل "سن يات سن" لقاء مع أول مبعوث للأممية الشيوعية الثالثة بالصين، "فويتينسكي"، في خريف 1920 بشنغهاي، بالمنطقة الفرنسية، من دون أن تكون لهذا اللقاء أي تبعات سياسية. وفي دجنبر 1921 بمنطقة "قوانغسي"، حيث كان "سن يات سن" يعد لحملة عسكرية لتحرير الشمال من قبضة أمراء الحرب العسكريين، ومعتمدا في ذلك على بعض العسكريين المحليين، وهي الحملة التي لم ترى النور حينها، استقبل في تلك المنطقة "مارينغ" (وهو عضو الكومنترن الذي شارك في المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني، حيث كان قد غادر شنغهاي في أكتوبر 1921 بعد أن أخذ موافقة "شن تو سيو" حول مسألة التحالف السياسي بين الحزب الشيوعي وحزب الكيومنتانغ).

    لقد كان لهذا اللقاء تبعات أهمها مشاركة حزب الكيومنتانغ في مؤتمر "شعوب الشرق" الذي انعقد بين 21 و27 يناير 1922 بموسكو، حيث حضره عن هذا الحزب "شيو باي"، وهو المؤتمر الذي اعترف فيه "سافاروف" بطابع الحزب الديمقراطي الثوري، وفيه كذلك تم وضع حدود التعامل السياسي بين الحركة الديموقراطية الثورية الصينية وممثلها الكيومنتانغ والحركة البروليتارية الصينية وممثلها الحزب الشيوعي الصيني. حول هذا المؤتمر الذي انعقدت جلسته الختامية ب "بتروغراد" بعد أن كانت هناك ندوة تهييئية له في نونبر 1921 ب "إيكروتيسك، بالإمكان العودة إلى الحلقة الثالثة من هذا الجزء الثاني.

    في صيف 1922 وبعد مطاردته من "كانتون" من طرف أحد أمراء الحرب، وهو "شان شيونغ مينغ"، التقى "سن يات سن" في "شنغهاي" بمبعوث سوفياتي أخر، وهو "دالين"، الذي كانت له معه محادثات طويلة. في نفس الفترة، وتحديدا في غشت 1922، كان "جوفي" قد وصل إلى الصين من أجل إعادة العلاقات الدبلوماسية بين "بكين" (الحكومة العميلة والموالية للإمبريالية) و "موسكو"، حيث انتهت المفاوضات إلى الفشل. ومعلوم أن "جوفي" كان رئيسا سابقا للوفد السوفياتي ب "بريست ليتووسك"، وكذا سفيرا سابقا لدولة السوفييتات ببرلين، وهو معروف بتأييده لتروتسكي (انتحر "جوفي" في 16 نونبر 1927 تاركا وراءه "وصيته السياسية"). بعد فشل هذه المفاوضات بين الحكومة العميلة ببكين و "جوفي"، اتجه هذا الأخير إلى اليابان عن طريق شنغهاي، وفي هذه الأخيرة التقى "سن يات سن" الذي كان يستعد للعودة إلى "كانتون" في دجنبر 1922. تمت المحادثات بين "جوفي" و"سن يات سن" في غياب الحزب الشيوعي الصيني الذي كانت قيادته ومقره المركزي بشنغهاي، وانتهت تلك المحادثات بالإعلان "الشهير" ل 26 يناير 1923، الذي سيشكل الأرضية الإيديولوجية والسياسية التهييئية لسياسة التعاون بين الكيومنتانغ والحزب الشيوعي الصيني، حيث جاء فيه: "يعتقد "سان يت سن" أن النظام الشيوعي ونظام السوفييتات نفسه، لا يمكن إدخاله (قيامه) في الصين التي لا توجد فيها أية شروط إيجابية لتطبيقه. هذا الشعور يتقاسمه كذلك السيد "جوفي" الذي يعتقد أن المشكل الأهم والعاجل للصين هو وحدته واستقلاله الوطني. وأكد للدكتور "سان يت سن" أن للصين تعاطف كبير من طرف الشعب الروسي، وأنه يمكن الاعتماد على روسيا في هذا المشروع الكبير".

    جاءت بقية الإعلان حول مبدأ تخلي روسيا عن امتيازاتها خارج حدودها الإقليمية، والحفاظ على وضع السكك الحديد بشرق الصين، وحول وجود القوات الروسية بمنغوليا.

    كانت من تبعات لقاء "سن يات سن" ب "جوفي"، لقاء آخر بين هذا الأخير و "لياو شونغ كاي"، الذي سيصبح وزيرا للمالية بحكومة كانتون، والتي دار فيها النقاش حول طبيعة المساعدة التي ستقدمها الأممية الشيوعية الثالثة في الجانب العسكري والتنظيمي للكيومنتانغ.

    الاتفاق الذي جرى بين الكومنترن والكيومنتانغ تم نقاشه خلال المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الصيني في يونيو 1923، والذي فيه تم الاختلاف حوله وتصدي البعض له، ومع ذلك، فقد تم إرسال الجنرال "شيانغ كاي شيك" إلى موسكو، ومعه وفد مكون من "شن تيانغ يي"، "وانغ تينغ يون"، وكذا الشيوعي "شانغ تاي لاي"، من 2 شتنبر إلى 25 نونبر من سنة 1923، لتدارس تنظيم الجيش الأحمر الروسي، والحزب الشيوعي الروسي، حيث تم استقبالهم من طرف تروتسكي وأخرون.

    في أكتوبر 1923، أي خلال الفترة التي توجه فيها "الوفد الصيني" بقيادة "الكيومنتانغيون" إلى موسكو، حل "بورودين" (اسمه الحقيقي هو "ميشيل كروسنبورغ" المزداد بلتوانيا ومهاجر سابق بأمريكا) ومعه مجموعة من المستشارين الشيوعيين الروس (بعد تعويض "جوفي" المريض حينها ب "خرخان")، كانت مهمته الأولى والأساسية هي إعادة تنظيم الكيومنتانغ وفق النمط "البلشفي"، وهي العملية التي انطلقت بالفعل في 25 أكتوبر 1923، من طرف لجنة مكونة من 9 أعضاء تحت قيادة "بورودين"، والشيوعي "لي تاو زهاو"، الذي أصبح لحظتها عضوا في الكيومنتانغ (من المحتمل جدا أن عضو الحزب الشيوعي "تان بينغ شان" الذي سيصبح رئيس قسم التنظيم للكيومنتانغ، قد شارك هو الأخر في أعمال لجنة التسعة).

    ستتوج هذه السيرورة الجديدة من إعادة تنظيم الكيومنتانغ بعقده لمؤتمره الأول بين 20 و 30 يناير 1924، والذي سيصادق على القوانين الجديدة للحزب، مع تسجيل معارضة لمجموعة من أعضاء الكيومنتانغ. كما صادق المؤتمر على دخول أعضاء الحزب الشيوعي الصيني والشبيبة الاشتراكية للكيومنتانغ.

    من هذه اللحظة إذن، انطلقت عمليا سياسة التعاون بين الكيومنتانغ والحزب الشيوعي الصيني، بعد إعادة البناء التنظيمي للكيومنتانغ الذي أصبح "شبيها" بالحزب الشيوعي، وتواجد الشيوعيين على مستوى جميع الأجهزة التنظيمية للكيومنتانغ، ووجود "روح ثورية" مشتركة تميل لنفس الأهداف المباشرة والعاجلة، والمتمحورة حول قضية تحقيق الاستقلال الوطني وتوحيد البلاد بالقضاء على أمراء الحرب العسكريين، وتأسيس الجمهورية الفدرالية الديموقراطية.

    هكذا أصبح الكيومنتانغ حزبا أكثر قوة وانضباطا عما كان عليه في السابق، بعد إعادة بناءه التنظيمي وانخراط الشيوعيين فيه بشكل فردي، وهو الأمر الذي رفع من حدة تناقضاته الداخلية التي كان يعرفها بين جناحيه، الجناح اليميني الرافض للتعامل السياسي مع الحزب الشيوعي الصيني، وجناحه "اليساري" (سنأتي على هذا لاحقا حين الحديث عن فترة ما بعد انطلاق العمل الوحدوي بين الحزبين إلى حدود "حملة الشمال" وانقلاب الجناح العسكري بقيادة "كاي شيك" على الحزب الشيوعي والمنظمات العمالية وجماهير الفلاحين)، و أصبح في هذه الفترة القوة السياسية الأولى بالصين، معلنا قيادته للشعب الصيني نحو "الديمقراطية".

    بالنسبة لهيكلته التنظيمية التي سهر عليها المبعوثون الشيوعيون الروس، فكانت تعكس إلى حد كبير الهيكلة التنظيمية للحزب الشيوعي الصيني، حيث كان "بورودين" هو من وضع بنفسه قوانين الحزب (وضعها بالإنجليزية، وترجمها للصينية "لياو شونغ كاي")، حيث تضمنت:

    ـــ المؤتمر الوطني للحزب، ويعقد مرة كل سنتين لاختيار أعضاء اللجنة المركزية.

    ـــ اللجنة التنفيذية المركزية، وتتكون من رئيس و24 عضو دائمين، و17 بدائل (المناوبين). تجتمع هذه اللجنة مرة كل ستة أشهر. في نفس الوقت هناك "لجنة دائمة" تعوض اللجنة التنفيذية المركزية وتسهر على الحزب بين فترات اجتماع هذه الأخيرة، وهي تتكون من 5 إلى 9 أعضاء، تشكل المكتب السياسي للحزب.

    ـــ ترتبط وتتبع للجنة التنفيذية المركزية أجهزة الحزب، وهي مقسمة إلى ثمانية:

    التنظيم، الدعاية، الشبيبة، المسألة العمالية، المسألة الفلاحية، الشؤون العسكرية، المسألة النسائية، والنضال بخارج الصين.

    ـــ مكاتب الحزب تتوزع بين الأقاليم والمحافظات والمقاطعات والمدن الصغيرة، وتعقد منظمة الحزب بها مؤتمراتها المحلية لاختيار لجانها التنفيذية المحلية.

    ـــ ثم لجنة المراقبة، مكونة من 5 أعضاء دائمين، و5 بدائل، تشرف على أعضاء الحزب وفي كل المستويات.

    ـــ رئيس اللجنة التنفيذية المركزية يحمل اسم "زعيم أو قائد الحزب"، ينتخب مدى الحياة، ولديه سلطة كبيرة.

    على المستوى الإيديولوجي، تم إعادة تأويل المبادئ الثلاثة (مبادئ الشعب الثلاث: 1ــ المسألة الوطنية: الاستقلال والنضال ضد الإمبريالية وضد هيمنة السلطة القائمة. 2 ــ الديمقراطية: إقامة الجمهورية. 3 ــ رفاهية الشعب: حق ملكية الأرض للجميع وبالتساوي. انظر الحلقة الأولى من الجزء الأول) التي وضعها "سن يات سن" من خلال المؤتمر الأول وتم اعتمادها أساسا إيديولوجيا للكيومنتانغ، تكملها ثلاثة مبادئ سياسية ضمن إعادة التأويل تلك، وهي: 1 ــ التعاون مع روسيا السوفياتية. 2 ــ التعاون مع الحزب الشيوعي الصيني. 3 ــ مساندة العمال والفلاحين. (انظر ما قدمه ماو تسي تونغ حول هذه المبادئ في "حول الديمقراطية الجديدة").

    على أساس هذه المبادئ التي تمت إعادة تأويلها في هذه الفترة، ستتحدد نظرة "سن يات سن"، الذي كان في الواقع لبراليا وطنيا، وتارة بمسوحات "اشتراكية"، وهو الذي أجبر في النهاية على التعاون السياسي مع روسيا السوفياتية ومع الحزب الشيوعي الصيني بعد مسيرة من المناورات والتوافقات الهشة والفاشلة مع بعض أمراء الحرب العسكريين، وحتى مع بعض الدول الإمبريالية والحكومة العميلة ببكين، قلنا ستتحدد نظرته، وعلى الخصوص نظريته في المراحل الثلاثة للتطور السياسي للصين، حيث اعتبر المرحلة الأولى عسكرية، ومن هنا اعتماده على العمل العسكري للقضاء على أمراء الحرب مهملا العمل السياسي وسط الجماهير العمالية والفلاحية، والثانية مرحلة الوصاية حيث اعتقد بإمكانية تلقي المساعدة من الدول "الأجنبية" وأن الصين بالنسبة له غير مؤهلة ذاتيا لبناء دولة "حديثة" ، للوصول إلى المرحلة الثالثة وهي المرحلة الدستورية، أي مرحلة بناء "الصين الديمقراطية" (كتاب "سن يات سن": "مبادئ إعادة بناء الصين"، أبريل 1924).

    أما على مستوى الدعاية، فقد أصبحت مركزية ومنظمة ومنضبطة عن طريق تأسيس مكتب خاص بها (كان ماو تسي تونغ في إحدى الفترات رئيسا بالنيابة ومؤقتا لهذا المكتب، كما أنه سيصبح في فبراير 1926 رئيس تحرير مجلة "الأسبوع السياسي")، حيث عمل هذا المكتب الدعائي على إصدار العديد من المجلات والجرائد، مثلا "إعادة البناء" وهي الأداة الدعائية الرسمية للكيومنتانغ، و"جمهورية كانتون"، و "شعب شنغهاي". كان لهذه الآلة الدعائية صدى قوي وواسع في الصين، بنقل مواضيع وشعارات ثورية وطنية في كل البلاد، وعلى الخصوص في مواقع تمركز سلطة أمراء الحرب العسكريين، و وسط الجيوش والإدارات، وساهمت هذه الدعاية بقوة في انهيار السلطات العسكرية.

    وفي المجال العسكري، فقد كان تأثير الشيوعيين السوفياتييين على تطور الكيومنتانغ واضحا وقويا، حيث بالإضافة إلى المساعدات السوفياتية في هذا الخصوص، أشرف الشيوعيين السوفياتيين على بناء جهاز عسكري نظامي، مما مكن الكيومنتانغ من وضع جيش منظم خاص به، وتحريره من تبعيته في هذا المجال للعسكريين المحليين الذين كانوا يسيطرون على بعض المناطق، وكذلك تحريره من تبعيته للمصالح المالية والتجارية الخاصة ببعض الأطراف البرجوازية.

    هكذا، فبعد عودته من زيارته لروسيا السوفياتية، قام "شيانغ كاي شيك" بتأسيس مدرسة عسكرية في ماي 1924: "الأكاديمية العسكرية ل "وامبوا" (او "وهامبوا" بضواحي كانتون)"، والتي سيكون هو قائدها الأول، إلى جانب الشيوعي "شو أن لاي" الذي سيتحمل مسؤولية نائب المدير (أو المستشار) السياسي، وكذا السوفياتي "جالن" (الاسم المستعار ل "بلوشير")، كمستشار عسكري للأكاديمية العسكرية التي أطلق عليها "سن يات سن" اسم "جيش الحزب". لقد كان عدد المستشارين الشيوعيين السوفيياتيين كبيرا وتم اختيارهم بأوامر من "جالن" الذي قال فيه "شيانغ كاي شيك"، أنه كان استراتيجيا ممتازا وصديقا وذو حس سليم.

    في هذا الوقت الذي فيه نظم الكيومنتانغ جهازه العسكري والدعائي، عمل كذلك على تنظيم "مؤسساته الحكومية" لنظامه الذي أقامه ب "كانتون"، حيث كان هذا النظام يعتمد 16 وزارة إلى حدود يوليوز 1925، ويسمى ب "الحكومة العسكرية" تحت رئاسة "سن يات سن"، وكان للشيوعيين مواقع وسط الجهاز الحكومي للكيومنتانغ، ووسط حزب هذا الأخير. ففي يناير 1924، أي بعد انتهاء المؤتمر الأول للكيومنتانغ الذي تم إعادة بناءه التنظيمي وتدقيق مبادئه السياسية وتنظيم ومركزة أداته الدعائية، نجد ثلاث شيوعيين من بين 24 عضو في اللجنة التنفيذية المركزية للكيومنتانغ، وهم : "لي تاو شاو"، "تان بينغ شان"، "يو شو تي"، ونجد ستة شيوعيين من بين الأعضاء السبعة عشر من البدائل في تلك اللجنة التنفيذية، وهم "ماو تسي تونغ"، "شو شيو باي"، "شانغ كيو تاو"، "لين تسو هان"، "هان لي فو"، "يو فانغ شو". كما كان هناك شيوعيون في مواقع تنظيمية مهمة داخل مجموعة من الأجهزة التنفيذية، كالشيوعي "تان بينغ شان"، رئيس قسم التنظيم، و "بينغ باي" رئيس قسم العمال.

    لقد سمحت هذه المواقع التنظيمية والسياسية التي تواجد بها الشيوعيون وسط الكيومنتانغ بالتقرب من الجناح اليساري الجذري لهذا الأخير، حيث عمل الشيوعيون على استقطاب العناصر الجذرية والديناميكية، كما منحهم هذا التعامل السياسي الوصول إلى العديد من المناطق التي كانت تعرف تحركات نضالية او انتفاضات بشعارات وطنية وثورية.

    إلى جانب جذب هذه العناصر الجذرية وسط الكيومنتانغ، ركز الحزب الشيوعي الصيني بشكل قوي على العمل وسط البروليتاريا، واستطاع أخذ المواقع القيادية في النقابات العمالية، ومن خلال الحركات النضالية والإضرابات التي كانت موجهة ضد القوى الاستعمارية، وعلى الخصوص "حركة 30 ماي 1925"، استطاع الحزب التوسع بشكل كبير جدا، و وصل عدد أعضائه بعد هذه الحركة، في خريف 1925، إلى ما يقارب 10 ألاف عضو، و ما يقارب تسعة ألاف من الشبيبة الشيوعية، في الوقت الذي كان أعضاء الحزب عند انعقاد المؤتمر الرابع (عقد في 11 ــ 12 يناير 1925 بشنغهاي، والذي سنأتي عليه لاحقا) لا يتجاوز ألف عضو. وتضاعف عدد أعضاءه ثلاث مرات في السنة الموالية (في سنة 1926 أصبح العدد يقارب 30 ألف عضو، والذي تضاعف بدوره إلى ما يقارب 58 ألف عضو سنة 1927، وعند القطيعة مع الكيومنتانغ كان الحزب بميعة شبيبته قد قارب المائة ألف عضو)، ووصل تأثيره إلى ما يتجاوز مليونين من العمال حيث عاد الوهج الكفاحي للطبقة العاملة عن طريق مجموع النضالات ذات الطابع الوطني الثوري، وذلك بعد حالة التراجع التي تلت نضالات سنتي 1922 و 1923 التي ووجهت بالقمع من طرف القوى العسكرية. في حين كان تأثير الحزب الشيوعي وسط الفلاحين ضعيفا يعكسه من جهة الوضع التنظيمي الهش والفضفاض لحركة الفلاحين، ومن جهة ثانية الصراعات الداخلية وسط الحزب الشيوعي نفسه، حول أهمية حركة الفلاحين ودوها في النضال الوطني والثوري، وعلى الخصوص موقعها في الثورة الصينية. على أي سنأتي على كل هذه المحاور والخاصة بفترة ما بعد انطلاق العمل السياسي الوحدوي بين الحزب الشيوعي الصيني وحزب الكيومنتانغ في الحلقة الأخيرة من هذا الجزء الثاني.

    بعد هذا العرض لعمل مبعوثي الأممية الشيوعية الثالثة بالصين اتجاه الحزب الشيوعي الصيني، قبل وأثناء وبعد تأسيسه، وانطلاق عمله السياسي المنظم، وكذلك عرض عمل مبعوثي الأممية اتجاه حزب الكيومنتانغ، قبل وبعد إعادة بنائه التنظيمي، وبناء جهازه العسكري، وتقديم الدعم المادي والتقني له، يتضح من خلال كل هذا إذن، بناء على مجموع كل تلك الأحداث التاريخية التي أوردناها وبأسماء كل من شارك في صنعها، أن مسألة التحالف السياسي بين الحزب الشيوعي الصيني وحزب الكيومنتانغ كقوة وطنية برجوازية ثورية باعتراف من الأممية، كانت من طرح وتوجيه، ومن عمل هذه الأخيرة، وأن الصياغة التنظيمية لذاك التحالف، كانت هي الأخرى من إنتاج وإخراج مبعوث الأممية الشيوعية بالصين. كما يتضح كذلك، رغم كل الصراعات الداخلية وسط الحزب الشيوعي الصيني حول هذه المسألة وغيرها مما هو مرتبط بطبيعة الثورة الصينية وقواها الاجتماعية، فإن أعضاء الحزب الشيوعي التزموا عمليا بما طرحه مبعوث الأممية في هذا الخصوص، رغم اختلافاتهم معه ورغم صراعاتهم الداخلية، وأن من يصدرون الآن أحكامهم بالطعن، أو يدينون تحالف الحزب الشيوعي الصيني مع حزب الكيومنتانغ البرجوازي، ونقصد هؤلاء اليسراويين العقائديين الذين يفضلون إصدار الفتاوي عن جهل وعجز، على الدراسة والبحث والتحليل ومعرفة الأسباب لاستخلاص الدروس، ويُحَملون، بجهل وعجرفة معا، ماو تسي تونغ في هذه الفترة مسؤولية هذا التحالف السياسي وهذه الصيغة التنظيمية والسياسية التي جاء بها مبعوث الأممية الشيوعية الثالثة، عليهم إذن، بإرادة منهم أو من دونها، فالأمر هنا سيان، أن يحتفظوا بطعناتهم وإداناتهم تلك، لكن عليهم، كي تستقيم سهام طعناتهم، أن يعوضوا اسم الحزب الشيوعي الصيني باسم الأممية الشيوعية الثالثة، وأن يعوضوا اسم ماو تسي تونغ باسم مبعوثي الأممية، ولا نراهم بقادرين على فعل ذلك، فالنقد الذاتي ليس من شيم هؤلاء المقدسين للنصوص والعابدين للأشخاص… أما نحن هنا، فلا نصدر الأحكام، ولا نتعاطى بمنطق الفتاوي، بل نعمل على كشف مجمل تلك الأحداث التاريخية، وتحديد دور كل طرف في تشكلها، بهدف استيعاب تلك التجارب التاريخية واستخلاص دروسها. فتاريخ الثورات، هو إرث لكل الشيوعيين الثوريين، ونحن الأولى، ومن المفروض علينا، كشف حقائق هذا التاريخ بما لها وما عليها، وتقديم النقد فيها حين يلزم ذلك من أجل التقدم إلى الأمام. فالصراع في الحاضر، لم يقطع بعد مع الصراع في "الماضي"، وما الحملات الدعائية الراهنة والضخمة ضد تلك الثورات وضد الفكر الشيوعي الثوري وقاداته التاريخيين، إلا استمرارا لماضي ذاك الصراع في الحاضر، وأنه يلزم على الشيوعيين الثوريين مواجهة هذه الدعايات بجدية وحزم ومسؤولية ثورية، بكشف كل الحقائق التاريخية، بدءا أمام المناضلين الذين يحملون فعلا علم الشيوعية وراية الثورة، المستعدين حقا وفعلا لنبذ الأوهام والدفاع المستميث عن الإرث الشيوعي الثوري، وأمام الجماهير التي ما زالت ترزح تحت خليط من الإيديولوجيات، لبرالية؛ رجعية وقروسطوية، تتحامل كلها وتجمع على تقديم الشيوعية ضد ما يسمونه ب "الطبيعة البشرية" وضد "حق الإنسان في الملكية"، وتجريم الشيوعيين بتقديم إرثهم وتجاربهم الثورية على أنها مجازر وجرائم في حق الشعوب والأمم... إن عملنا هذا، لا يستهدف فقط مواجهة هذه الدعايات الآتية من جهة الأعداء الطبقيين، بل وبالأساس مواجهة ما هو أخطر وأعمق منها، مواجهة تلك الدعايات و "الكتابات" التي تستهدف ضرب وتصفية هذه التجارب الثورية والإرث الشيوعي الثوري من داخله وباسمه، تارة بالتزوير والكذب، وغالبا عن جهل به، وعجز كلي عن القيام بأي مجهود فعلي به قد تتجاوز عجزها وجهلها، تقوم هذه العناصر الدخيلة التي "استفاقت" متأخرة، بما يمكن للأعداء الطبقيين حلم القيام به.

    وللتذكير مجددا، إن عملنا هذا ليس بالترف الفكري كما صدح به البعض ممن يفترض فيهم الدفاع عن الإرث الشيوعي الثوري الأممي، رافعين شعار "حريق الصباط أولا"، وواضعين أي عمل من هذا النوع في مؤخرة "مهامهم" إن لم يقولوا أنه عمل لا طائل منه ومن أمثاله ما دام أن ذاك التاريخ، وإن كان ثوريا، قد "مضى وانتهى". إننا نجزم أن صلب المعركة الراهنة، تتركز فيه وبقوة قضايا الثورة في الراهن بقضايا الإرث الشيوعي والتجارب الثورية، وأن أي عمل ثوري يقبض على عصب الثورة في المرحلة الراهنة، يشد إليه وبقوة الضرورة كل التجارب الثورية وكل الإرث الشيوعي الثوري الأممي، ويضعهما في واجهة الصراع ضد أعدائها الطبقيين التاريخيين، وضد العقائديين والمخربين والتصفويين من الداخل، فهذا العمل، هو مندرج في صلب هذه المعركة التاريخية، فإما أن نكون، نحن الشيوعيون الثوريون، بتاريخنا وبتجاربنا الثورية، فتكون الكلمة الفصل للجماهير والشعوب والأمم، وإما الهزيمة على يد التحريفيين والتصفويين؛ بوابة بربرية الإمبرياليين والشوفينيين والفاشيين. ولنا الآن أن نختار!

    بعد هذا الذي قدمناه إلى حدود اللحظة، نرى أنه من الضروري لهذه الفترة، متابعة مواقف وأطروحات الأممية الشيوعية الثالثة، وكذا عمل لجنتها التنفيذية، بخصوص "المسألة الوطنية والكولونيالية"، والتي كنا قد أوردنا كل ما له علاقة بهذه المسألة من خلال مؤتمر الأممية الأول بموسكو (2 ــ 6 مارس 1919)، و الثاني (23 يوليوز ــ 7 غشت 1920 بموسكو)، والثالث (22 يونيو ــ 12 يوليوز 1921 بموسكو)، وذلك إلى حدود "المؤتمر الأول للمنظمات الشيوعية والثورية للشرق الأقصى (21 ـــ 27 يناير 1922)" الذي دعت الأممية الشيوعية الثالثة لعقده، وكانت هي من أشرفت عليه بموسكو (انظر الحلقتين الثانية والثالثة بهذا الخصوص). (يتبع)

    حمو العبيوي

    22 ــ 11 ـــ 2019

    الهوامش:

    1 ــ سنرى لاحقا إن كان هذا الخط السياسي الذي تم وضعه للقوى الثورية بهذه البلدان، قد اعتمد على الأطروحات التي تم تبنيها خلال المؤتمر الثاني للأممية الثالثة، ونقصد الأطروحات اللينينية بهذا الصدد.

    2 ــ جاء هذا اللقاء بعد لقاء للثلاثي مع "بولفوج" Polevoj، وهو أستاذ الآدب الروسي بجامعة بكين، حيث حصل هذا اللقاء عن طريق سفير روسيا ببكين التي تتواجد بها الحكومة العميلة. فعن طريق "بولفوج" تم اللقاء بين "فوجتينسكيج" و "لي تاو زهاو"، وهذا الأخير هو من عمل على لقاء الثلاثي الروسي مع قادة حركة 4 ماي، وعلى الخصوص لقاء الثلاثي بمن سيصبح لاحقا الكاتب العام للحزب الشيوعي الصيني "شن تو سيو" في شنغهاي.

    3 ــ صدر هذا المقال في فترة لاحقة تحت عنوان "تحية شيوعية أولى من الصين إلى ثورة أكتوبر".

    4 ــ هناك بعض المصادر التي تتحدث عن حضور "ليكونسكيج" هو الأخر لأشغال المؤتمر إلى جانب "مارينغ"، حيث كتب اسمه في تلك المصادر ب "ليزونسكي: lizonski ، وهو مسؤول في "النقابة الأممية الحمراء"، وبحكم مسؤوليته هذه، فقد حضر المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني، وقدم في اليوم الأول لأشغال المؤتمر تقريرا حول عمل النقابة الأممية الحمراء وحول تنظيمها.

    5 ــ وسميت كذلك ب "سكريتارية نقابات العمال الصينيين"، وترجع بعض المصادر تأسيسها لنفس الفترة التي انعقد فيها المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي، حيث كان قد صدر في نشرة "الشيوعي" التي يصدرها الحزب الشيوعي، مقالة كتبها "شانغ كيو تاو" باسمه المستعار في 7 يوليوز، أي في العدد السادس للنشرة الذي صدر في فترة المؤتمر التأسيسي للحزب، والمقالة تندد بالاستغلال الرأسمالي للعمال، وضعف وقلة المنظمات العمالية الصينية، وتدعو لتنظيم العمال على أساس طبيعة الصناعات، وتحت لواء هذه "السكريتارية العمالية" التي كان مقرها شنغهاي.

    6 ــ في الواقع كان هذا التوجه العام يتماشى إلى حد ما مع الأطروحات اللينينية في ضرورة خلق تحالف ظرفي مع الحركات البرجوازية الثورية ونقدها مع الحفاظ على استقلالية حركة البروليتاريا، وأن شكل أو صيغة هذا التحالف والدعم يحدده الحزب الشيوعي إن وجد بهذا البلد، مع ضرورة منح حركة الفلاحين طابعا ثوريا، وهذه النقطة الأخيرة هي ما تم إهماله في هذه الفترة من طرف الحزب الشيوعي.

    7 ــ عقد المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي الصيني ب "شنغهاي" بين 10 و 23 يوليوز 1922، وحضره تسعة مؤتمرين، ولم يكن من بينهم ماو تسي تونغ، وهم يمثلون 123 عضوا للحزب، وتم انتخاب 3 أعضاء في القيادة المركزية للحزب: شن تو سيو، شانغ كيو تاو، تساي هو سن (أو "كاي هي سين")، وهذا الأخير هو ابن فلاح فقير، ويعتبر من أقرب رفاق ماو تسي تونغ وزميله كذلك في الدراسة. غادر إلى فرنسا في نونبر 1919 لأجل الدراسة، بمعية العديد من الشباب الصينيين حينها، وعمل بها على تنظيم العمال والطلبة الصينيين، وخلق خلايا للشبيبة الاشتراكية الصينية. أثناء تواجده بفرنسا كانت له مجموعة من المراسلات مع رفيقه ماو تسي تونغ، وكانت أبرزها رسالته له من "مونتاغريس" بتاريخ 13 غشت 1920 والتي تناول فيها مسألة البحث عن خطة لأجل الثورة بالصين، وكانت محاورها: وضع الحركة الثورية العالمية، الأدوات الأربع للثورة البروليتارية، الثورة العالمية: وسائل النضال والتنسيق الأممي، عرض مفصل للوضع بروسيا بعد الثورة. جرى في هذه الرسالة الحديث عن ضرورة بناء حزب شيوعي بالصين، وبناء المنظمات العمالية والتعاونيات والسوفييتات... وبسبب نشاطه الدعائي تم طرده من فرنسا في خريف 1921 بعد مساهمته النشيطة جدا في المسيرة / الإضراب الشهير ب "ليون" (لم يشارك في هذه المسيرة التحريفي دين كسياو بينغ)، ليعود إلى الصين ويلتحق بالحزب الشيوعي، وعضوا بقيادته المركزية التي أفرزها المؤتمر الثاني للحزب. "تساي هو سن" تمت تصفيته على يد الكيومنتانغ سنة 1931 بعد ان اعتقلته الأجهزة البريطانية الاستعمارية وسلمته لأجهزة "كاي شيك".

    8 ــ إن مسألة مساعدة وتوجيه وقيادة الحزب الشيوعي الصيني لحزب الكيومنتانغ من داخل هذا الأخير، سيتم التعبير عنها بنفس تلك العبارة وبوضوح خلال نقاشات الأممية الشيوعية الثالثة كما سنرى لاحقا حين سنتعاطى مع تطور مواقف وأطروحات الأممية الشيوعية من خلال مؤتمراتها وعمل لجنتها التنفيذية واللجان التي شكلتها بخصوص "مسألة الشرق".

    9 ــ سنأتي لاحقا على طبيعة البرجوازية الوطنية الصينية من جهة، وعلى البرجوازية الكمبرادورية بالصين من جهة ثانية، لذا لا يجب الخلط بين الاثنتين، فالبرجوازية الوطنية الصينية في هذه الفترة كانت مع الثورة على الملاكين الكبار والكمبرادوريين والسلطات العسكرية، كما أنها كانت مع مناهضة الإمبريالية ومن أجل الاستقلال الوطني وتوحيد البلاد، وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك تناقضات بين هذه البرجوازية الوطنية والثورة، فهي تريدها إلى حد ما، حد ما يخدم مصالحها طبعا، عكس البرجوازية الروسية مثلا، والتي كانت خلال سيرورة الثورة البلشفية ضد الثورة ومتحالفة مع السلطة القيصرية.

    والاختلاف هنا بين البرجوازيتين ومواقفهما من الثورة، يجد جذوره في الاختلاف بين برجوازية بلد شبه رأسمالي، يعرف نموا رأسماليا إلى جانب الرأسمال الإمبريالي من غير أن يكون هذا البلد مستعمَراً، بل كان بلدا مستعمِرا وفي نفس الوقت لم يقطع بعد مع العلاقات الإقطاعية، والثانية برجوازية بلد شبه مستعمَر تتقاسم مناطقه مجموعة من البلدان الإمبريالية، ويعرف نموا رأسماليا ضعيفا في صراع مع الرأسمال الإمبريالي الذي زمن اختراقه الاستعماري لهذا البلد تشكلت معه فئة اجتماعية كمبرادورية متحالفة معه ومع السلطات العسكرية والملاكين الكبار، وتهيمن في هذا البلد بشكل كبير جدا العلاقات الإقطاعية. لاحظ مثلا انتعاش هذه البرجوازية الوطنية الصينية في مرحلة الحرب العالمية الأولى حين تناقص حجم الرأسمال الإمبريالي بالصين، وانتعاشها كذلك خلال حملة مقاطعة منتوجات الإمبريالية اليابانية والإضرابات العمالية المصاحبة لها والتي دعمتها وساندتها هذه البرجوازية الوطنية.